إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٥١الأسباب الخارجية:
حولت السلطة المركزية المؤسسات الدينية الإباضية داخل جربة الى مجرد كتاتيب)) لتعليم القرآن وحفظه (169) وأصبحت تطلب من علماء الدين الراغبين في تولي وظائف دينية الحصول مسبقا على شهائد من مؤسساتها التعليمية أو المثول أمام القاضي المالكي للتثبت في كفاءاتهم. فامتثل العديد من الاباضية الى تلك التراتيب الإجرائية وأرسل قاسم بن صالح المثني ابنه محمد الى تونس ليتعلم بها (170) تماما مثلما كان يفعل أبناء العائلات المالكية آنذاك. وعبر ابن تعاريت عن هيمنة المخزن على المؤسسات الدينية من خلال قوله: «سلط عليهم الله الظلمة الغشمة واستولى عليهم الأسافل فلم يعرفوا قدرهم ولا قدر علمهم وانتزعوا منهم سلطتهم وهيبتهم … وهذا آخر زمان لم يعد العلم يوقر ولم يعد لأهله قرارا (كذا) ولا شأن ولم يعلموا أن هذا كله بسوء أفعالهم وعدم اتحادهم وسيرهم على منوال أسلافهم» (171). ولئن بقيت العائلات الإباضية وعلماء الدين منها على صلة بالمصلين والأهالي فإن السلطة نجحت في عزلهم عن بادية
الجزيرة.
وكانت المنظومة الفكرية الإباضية في جربة خلال عهد العثمانيين تاخذ بعين الاعتبار تراكمات الفقه المستمد من العصور الأولى للإسلام. واستغلت تلك المنظومة من قبل المجموعات المحلية على المستويين السياسي والاجتماعي. ولئن لم يكن التباين بين الوهبية ومستاوة على المستوى الفقهي تباينا جوهريا إلا أنه كان مصدرا لتبرير التناقض السياسي بين الفريقين فيما اتخذت الوهبية ومستاوة من انتسابهما إلى الإباضية مصدرا لتبرير التناقض بينهما وبين جهاز حكم الأتراك العثمانيين (مثلما كان الشأن بالنسبة إلى تناقضهما الأنظمة المركزية السابقة التي خضعت لها جربة في العهد الحفصي وقبله). فنشأ عن انتساب الوهبية إلى الإباضية وحدة سياسية كما نشأ عن انتساب المستاوة إلى الإباضية وحدة سياسية أخرى وساعد على قيامهما التوزيع الجغرافي لكلا الفريقين داخل الجزيرة.
واستغلت الإباضية في ذات الوقت لتميز الوحدات السياسية داخل كل مجموعة اباضية فمكنت من تبرير شرعية حكم العائلات الماسكة بالنفوذ كما مكنت من تبرير وجود الكتل المعارضة لها. ولم تمنع المنظومة الإباضية أيضا
351