إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦ب) الرواية المالكية لدخول المالكية إلى جربة:
ترجع الذاكرة الجماعية للمالكية اليوم دخول المذهب المالكي إلى جربة إلى العهد التركي المبكر أي إلى منتصف القرن 10 هـ (= 16 م) أيام كانت الجزيرة خاضعة لحكم باشوات طرابلس ويروج أفراد عائلة المنياوي المالكية هذه الرواية في الجزيرة.
نلاحظ أولا أن الأتراك دخلوا طرابلس سنة 1551 وأنهم ضمّوا جربة إلى المركز طرابلس خلال السنة نفسها ولم يكن العثمانيون قد دخلوا إلى تونس إلا في سنة 1574 م. ويذكر كل من تعاقب على إمامة جامع الغرباء من سلالة آل المينياوي إلى اليوم أن انتصابهم على رأس المؤسسة كان قد تم عن طريق أوامر صدرت لهم من الأتراك العثمانيين وإليهم يرجع فضل دخول المذهب المالكي
إلى جربة.
ويبدو من الغريب أن يتولى الأتراك الذين يعتنقون المذهب الحنفي العمل على نشر المذهب المالكي دون مذهبهم في محيط سياسي وديني يقوم على التفكير المذهبي الإباضي.
وإننا نعتقد أن استقرار الأتراك المبكر في جربة لم يؤهلهم للاعتماد على رجال مخزن حنفية فالعثمانيون كانوا خلال هذه المرحلة عسكريين وغير قادرين على مباشرة المسألة الدينية والوظائف التابعة لها بأنفسهم. وكان الأتراك الذين ترددوا على جربة قبل إلحاقها بمركز طرابلس إما قراصنة مثل خير الدين في عهد أبي عبدالله محمد بن الحسن الحفصي (187) و درغوث رايس (188) وإما تجار ا (189). وقد يفسر اعتماد الأتراك على حلفاء من المالكية لتولي وظائف مخزنية دينية بسعيهم لتخفيف وقع تدخلهم في الجزيرة إذ كنا أسلفنا أن «أهل جربة» كانوا إلى ذلك الحين حلفاء للقراصنة الأتراك فيما كان هؤلاء يطلبون من المشايخ المحليين تجنيد الجند المعاضدتهم وكان مشايخ آل السمومني يتعاملون مع العثماني على أساس تبادل المصالح (19) ولم يكن الأتراك قبل ذلك يتعاملون مع أهل الجزيرة على أساس الهيمنة
(190)
السلطان
و ينتمي آل المنياوي الذين اعتمد عليهم الأتراك العثمانييون في جربة حسب رواية شفاهية مدونة إلى سيدي حميد بن أحمد بن محمد المني أو الميني أو
356