إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩ويذكر إباضية جربة إلى اليوم أن السوق الكبير كان سوقا أقامه الشيخ أبو
مسور للناس في إحدى ضيعاته ليتبايعوا فيها ويوفروا فيها للمحتاج ما يطلبه من أنواع البضاعة (199) ويثبت محمد حسن أنها كانت تسمى سوق الخميس بناها الشيخ أبو مسور وعمّرت بخراب مدينة أخرى وصفها التجاني في رحلته (200) وتبقي الإباضية بذلك لنفسها حق ملكية الأرض وملكية السوق الكبير وتعلن عن تجذرها الكامل في جربة. لم يكن الإنتماء إلى البلد والتجذر أمرا خاصا بالروايات الإباضية في جربة بل نجد إعلانا مماثلا في الذاكرة الجماعية لصنف «البلدية» في تونس العاصمة المعبر عن نفس التجذر ونفس العراقة بالنسبة إلى المدينة التي يسكنونها. فلقد تأسف محمد سعادة المولود في سنة 1088 هـ (1677 - 1678 م) من انتمائه إلى المنستير وعدم اعتباره من قبل البعض بلدي» (201). وسعى الإباضية في جربة و «البلدية» في تونس من خلال ذلك إلى التميز عن غيرهم من الفئات المتعايشة معهم. وعمل أباضية جربة من خلال ذلك على تبرير تفوقهم على الغرباء» مثلما سعى «البلدية» في تونس إلى تبرير تفوقهم على «البرانية وعلى بقية الفئات الاجتماعية الأخرى وخاصة منها الريفية. وأعطت الإباضية لنفسها بذلك الشرعية التاريخية المطلوبة بالمقارنة مع المالكية في ظرف كانت فيه هياكل المجموعة الإباضية بيد آل السمومني ثم آل بن جلود الذين يعبرون عن وجود نفوذ محلي تكاد تكون مستقلة عن هياكل السلطة المركزية، ولعب أهل جربة خلال العهد العثماني دورا كبيرا في التحكم في آليات العمل داخل المجال الجغرافي المحلي.
وكانت هناك إذن رواية لدخول المالكية إلى جربة ورواية مضادة ضمن استراتيجيات مختلفة وكان السند الاديولوجي للإباضية المبرر لتفوقهم على الغرباء» و «العرب» من المالكية أقوى ويفسر ذلك بالتفاوت الديمغرافي بين المجموعتين وكان يخفي تفاوتا في النشاطات الاقتصادية وبالتالي في عوامل الثروة. وهو الأمر الذي أهل المجموعات الإباضية للسيطرة الكلية على المسألة الدينية داخل الجزيرة خلال مرحلة الأتراك العثمانيين وخاصة خلال القرن 16 ولم يكن بوسع المالكية ولا السلطة المركزية على أن تتدخل في الشؤون المحلية إلا بقدر ما كان يسمح به ميزان القوى بين الطرف المحلي والطرف المخزني فلم يكن يتجسد خضوع شيخ النكار و شيخ الوهبية في العهد الحفصي إلا سبيلاً
359