إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣٦٤

التاريخ العثماني بجربة بدأ يتبلور تباين واضح بين منظومة فكرية تستمد قوتها من المؤسسات والهيئات التابعة لنظام العزابة في الداخل والقائمة على فقهاء الإباضية ومنظومة فكرية أخرى تستند إلى هياكل المخزن في الخارج ويشغلها فقهاء المالكية. فكان لكل طرف قيمه السياسية والاجتماعية ومقاييسه الخاصة. وأحدثت هذه الازدواجية تنافسا فسعى النفوذ التركي في طرابلس ثم في تونس بعد سنة 1605 إلى الارتقاء بأتباعه ممن ينتمون إلى هيئة المخزن في جربة إلى أعلى المراتب الاجتماعية والسياسية في حين عمل الإباضية على مقاومة هذه النزعة والتشبث بدواليب السلطة المحلية والتصدي للحكم المركزي من خلال التمسك باستقلالية ثقافية وسياسية.

واحتدّت هذه الازدواجية مع ارتقاء مصطفى باشا (1584 - 1588) إلى حكم طرابلس ومقتل رمضان باشا (1581 - 1584) ففي عهده تم تعزيز الجيش الإنكشاري في إيالة طرابلس في اطار صراع العثمانيين ضد قبائل دواخل البلاد (ترهونة وغريان وبني وليد ومصراته وتاورغاء) وكانت طرابلس تعوّل آنذاك على جربة في أن تستورد منها تموينها ابان حربها ضدهم. وشهدت جربة مدا جديدا للمالكية بداية من عهد يوسف باي (1610 ـ 1637) ودخلت إليها فئات اجتماعية مالكية أخرى.

:

ت) المخزن وعلماء الدين «المرابطون»:

(218)

وحصلنا على وثائق عائلية أخرى هي عبارة عن شهائد أسندت إلى أصحابها من قبل إدارة دايات تونس وبايات المراديين للاستظهار بها لدى هياكلها فاسندت واحدة منها إلى عقب المرابط أبي العباس أحمد بن البركة الصالح المرابط أبي عبد الله محمد عرف بابن العلجية في سنة 1029 هـ = 1619 - 1620) وأثبت رسمها في سنة 1031 هـ (= 1621 - 1622) أي حوالي سنتين بعد تحرير أصلها في عهد يوسف داي انطلاقا من قاعدة تتمثل في أن الولد تابع لأبيه في نسبه وطريقته وهي قاعدة لم تكن تتعامل بها سلطة الأتراك العثمانيين بجربة فحسب بل كانت تندرج ضمن توجه سياسي وكانت تتعامل بمقتضاه مع مختلف مناطق الإيالة التونسية (219) ونحن نفترض أن تلك السياسة كانت تهدف إلى خلق سلالات ومجموعات تعتمد عليها السلطة على حساب أخرى في إطار سياسة عامة تقوم على مبدإ «فرق تسدّ وتدل الشهادة المسندة إلى عقب المرابط أبي

364