إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٧٥وأسند المخزن إلى فقهاء الحمارنة ومرابطيها نفس المنزلة التي أسندها للعلماء والمرابطين في بقية جهات الإيالة وسعت إلى أن توليهم مكانة في أعلى سلم القيم الاجتماعية الذي اعتمدته في جربة وكانت غير المكانة المهمشة التي أسندها لهم إباضية جربة (265). ووفر الأتراك عن طريق سياستهم (الإدارية والسياسية والدينية والعسكرية الظروف الملائمة ليجعلوا من جربة مركز جذب للوافدين عليها من خارج المناطق الداخلية ولا سيما من جهة الأعراض وساعدت الظروف السياسية آنذاك على دعم ظاهرة الهجرة. فلقد تطابقت فترة تنظيم المجموعة المالكية في جربة مع ما شهدته البلاد بين 1631 و 1672 - 1675 من صراع حاسم بين شق تركي بزعامة مصطفى لاز يسعى إلى الحفاظ على دوره المتمثل في تنفيذ هيمنة الباب العالي وشق تركي آخر يقوده حمودة باشا المرادي 1041 ـ 1076 هـ (= 1632 ـ 1664 م) يسعى الى تشريك اعيان الاهالي في
شؤون البلاد.
-
فوقف مالكية جربة إلى جانب الدايات لانهم ساعدوهم على إعادة إحياء مؤسساتهم السياسية والدينية ثم ان هؤلاء الدايات جعلوا من الحمارنة فئة محظوظة في جربة على حساب الاهالي الإباضية لانهم حلفاؤهم وشركاءهم في السيطرة على الاعراض. ويظهر هذا خاصة في الجباية إذ يفرض اداء على اهل الاعراض لفائدة الحكم التركي واداء ثان مختلف لصالح الحمارنة كما أسندت لهم الامتيازات ومنحت لهم الضمانات الكافية.
حافظ «أهل جربة» على تحالفهم مع الدايات واستمروا في دفع الجباية لهم مباشرة على عكس المناطق الداخلية التي كانت تدفع ما عليها إلى باي المحلة. وكان نفوذ الداي بجربة مدعوما بجهاز عسكري - نوبة جربة ـ بداية من سنة
(266) 1605
ولم يكن انحياز إباضية الجزيرة إلى صف الدايات خاصا بهم بل قد يكونون ذهبوا إلى ما ذهب إليه بقية أهل السواحل ونحن نفترض مثلا ما ذهب إليه توفيق بشروش من أن انحياز هؤلاء إلى داي تونس على حساب كتلة الباي وأهالي دواخل البلاد وقبائلها هو تعبير عن حاجتهم للعيش في أمان في ظل سلطة مركزية قوية. وقد فضلوا الاستبداد التركي ممثلا في الدايات على الفوضى القبلية (267) وكان أهل جربة أمام خيارين إما اسبتداد العثمانيين أو تسلط قبائل المناطق القارية
375