إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٧٩ب إبراهيم الجمني وواقع الجزيرة:
لم يطل مكوث إبراهيم الجمني في زاوية الحمارنة وفي بلده جمنة من قبلها و قصد جربة ليستقر بها لأسباب عديدة ويذكر الوزير السراج أنه «أحب الإقامة بجربة لحسن هوائها وقلّة عفوناتها فلا تكاد تجد فيها من الأزبال والقذارة شيئا لافتراق مساكنها عن بعضها. فاتسعت المسافة بين المساكن فلا يظهر في رمالها شيء من العفونات أصلا وتوسع المساكن بها أوجب حب الخلوة بها بحيث لا يطلع أحد على ما عند غيره بحاليه» (287) كما أحبها أيضا حسب مقديش لقربها من بلده جمنة في نفزاوة فكان قوته يأتيه من تمر بلاده الذي ورثه عن آبائه (288). وهذا «الحب يخفي في حقيقة الامر استراتيجية الجمني الهادفة الى الاستفادة من خيرات جربة الاكثر وفرة من الدواخل المجاورة والمبنية على اعتبار الجزيرة جزءا من جنوب الإيالة التونسية. ويذكر الوزير السراج من جهة أخرى أن جربة جذبت إبراهيم الجمني لمراده من كان بها على شفاء» (289) فكان هدفه القضاء على المذهب الإباضي ومحو أثره وتوحيد المنطقة تحت مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس فكان لأهداف قبيلة الحمارنة وأهل الأعراض والأقلية السنية المقيمة بجربة من مالكية وحنفية وسلطة البايات المرادين ثم الحسينيين. فكانت أسباب إقامة إبراهيم الجمني إلى حد كبير أسبابا موضوعية لصالح المالكية، وعاطفية بالنسبة إلى الإباضية.
انقاذ
ذلك يستجيب
وقصد شيخ العلم أثناء دخوله إلى جربة جامع الغرباء بالسوق الكبير وشغل فيه وظيفة التدريس (290). ووجد في الجزيرة بعض العلماء المالكية من المستقرين فيها قبله من بينهم إلى جانب فقهاء (المنياوي أبوراوي عبد الله بن محمد بن عمران بن الشيخ عبد السلام بن سليم الأسمر الفيتوري من علماء الميقات الصوفي توفي سنة 1088 هـ (= 1677 - 1678 م) وكذلك علي الفرجاني وأصحابه (291) وكانت إمامة الجامع بيد آل المنياوي يتوارثونها جيلا بعد جيل منذ انتصاب الأتراك العثمانيين المبكر في الجزيرة وكانت الوظيفة تمكن صاحبها وعائلته من امتيازات عديدة منها الحصول على رواتب من المخزن والإعفاءات الجبائية والاستفادة من أوقاف الجامع ومكانة اجتماعية فيترأس متوليها «الجماعة» مقابل الدعاء للسلطة وقراءة الفاتحة لها ومساندة سياستها في البلاد
379