إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٨٤الجزيرة لأن ذلك لا يخدم مصالح السلطة نفسها ولا الشيخ الجمني. لقد واصل أفراد المنياوي الاضطلاع بمؤسسة جامع الغرباء واستمروا في التعاقب عليها جيلا بعد جيل إلى القرن الحالي. ولم ير ابراهيم الجمني أن العلم كاف لتحقيق ما كان يصبو إليه من تفوق ذاتي على السلالات الإباضية التي فرضت نفسها على رأس المؤسسات المحلية وفقهاء الإباضية عموما ولا حاسما لحمل المجموعات الإباضية في الجزيرة على الارتداد عن مذهبها وتلقي العلوم الدينية في المؤسسات المالكية سواء منها مدرسة جامع الغرباء أو المدرسة المرادية فبحث في التصوّف. وكان صاحب مقام عال فيه (217) وهذا ما لم يكن يتوفر عند الفقهاء خاصة وأن شرائح واسعة من المسلمين لا تلجأ إلى العلماء لترسيخ مبادئ عقيدتها بقدر ما تتجه إلى علماء دين عرفوا بانتمائهم إلى التصوّف (318) فتجاوز بذلك أيضا التفكير المذهبي المالكي الذي كان يتزعمه المرابطون من الحمارنه وغيرهم من العائلات المنتسبة إلى الزوايا والذي كان الهدف هو الآخر تنظيم الجزيرة وتجذير المالكية فيها على المستوى الشعبي ضمن الحركة الشاملة لمنطقة الشمال الإفريقي والتي اتخذت من الساقية الحمراء مرجعا لها وقامت على الصلحاء واتخذت من اسطورة الموقع الجغرافي منطلقا للانتشار. واستخدم إبراهيم الجمني لغة التصوّف لتغيير الواقع الجربي كما استعمل لغة العلوم الدينية ليخاطب طلبة العلم خاصة في المدرسة المرادية والتصوّف أصلا هو العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة» (319). وعمل إبراهيم الجمني بذلك على تقديم أنموذج فكري محدث لم يكن لأهل جربة عهد به يعطي معنى آخر للوجود البشري ويوظف العرفان لكسب أهلها ودفعهم إلى الارتداد عن المذهب الإباضي. ويختصر رفيق العجم في تحديده لمعنى العرفان والتصوّف فيقول إنها طريق معرفي ينضح بكلام على غير عادة أهل الدين وأهل اللغة فهو خارج الأنا الأعلى بسيادتها وسلطتها بل هو خارج عن المألوف والمعرفية العربية أنه صادر عن الوجد، والوجد حال انفعالي وليس عقليا حال هياج واضطراب وليس بهدوء وانتظام فكري (320).
لذة
384