إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٣٨٥

وعبر ابراهيم الجمني عن تصوفه من خلال المعرفة والسلوك إلا أنه لم يترك أي أثر مكتوب في باب التصوّف ولم يعرف عنه غير أنه شرح مختصر الشيخ خليل بشرح لم يكمل (321) ولم يستعمل الأساليب الصوفية التي تبدو له غير مفيدة مثل الشطحات وهي نقل المتصوّف في بعض الأوقات الباطن إلى العلن بدون أي رقابة (322) ولم يستخدم الألفاظ الغريبة ولا المستعصية الخالية من أي تنظيم مثلما فعل غيره من صوفية العرب». ولم يستعمل إلا المسالك الصوفية التي اعتبرها وسائط للتعبير وذات جدوى في كسب العامة وتبرير ما كان يسعى إلى تحقيقه واعتبرها تكملة لمسالك العلم التي حملها من الشرق ووظفها هي الأخرى لتغيير الواقع الجربي. فاستعمل إبراهيم الجمني الرؤى لما منع من التدريس بجامع الغرباء وسلطت عليه ضغوطات لمغادرة جربة (323) ورأى في منامه انذاك قارئا يقرأ ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ (324) فتراجع عن مغادرة جربة وبرر بذلك استمرار إقامته. وتناقل الإخباريون أنه أتى إلى إبراهيم الشريف 1114 - 1117 هـ (=1702 - 1705 م) شفيعا في ابن اخيه الشيخ عمر الذي سجنه ظلما فلم يقبل له شفاعة لعدم معرفته بقدره ولما رأى من رثاثة ثيابة فاضطرب نوم الباي وتنبه أن سبب ما نزل به ردّه الشيخ غير مجبور الخاطر فأمر السجان بسراح الشيخ عمر من حينه (325) وحاول بذلك أن يختبر لغة تكون قريبة من المظلومين تستجيب لحاجتهم ولحاجة الفئات الاجتماعية الدنيا ومعارضي الأقوياء ـ أقوياء الحكم المركزي وبالتالي أقوياء النفوذ المحلي - وظهرت كراماته بمظهر الحامي ولئك من هؤلاء وتصبح كرامات إبراهيم الجمني تبعا لذلك ضامنة لدى العامة لأن يرتد ضعفاء الإباضية عن مذهبهم وضامنا لغيرهم من نظرائهم لحمايتهم من الجور. وتميزت صوفية إبراهيم الجمني بزهده وقهره لذاته فكان يقوم الليل ويلازم الصيام يلبس رث الثياب و خشينه (326) فقام الأنموذج الفكري الذي أحدثه إبراهيم الجمني بجربة على ترك العقل والتجربة الموضوعية القائمة على الإدراك الحسي فالتجريد ثم المنطق والمعتمدة على الربط المحكم بين الظواهر. ولجأ إلى منطق خاص ولغة خاصة هي غير اللغة المتداولة في المدرسة الإباضية بالجزيرة وقدم ابراهيم الجمني بذلك انموذجا آخر لأهل جربة هو غير الأنموذج الإباضي المألوف عندهم والسائد في بادية الجزيرة إلى حد القرن 17 م. ورفض الشيخ الجمني من خلال تجربته الذاتية الروحية والعلمية ولغته المزدوجة

385