إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٣٩عملت السلطة المركزية في تونس بين سنة 1159 وسنة 1161
(= 1748 - 1746 م) على القضاء على الهياكل السياسية الدينية العليا في جربة باستعمالها عقوبات مختلفة من القضاء السياسي لردع الذين يشغلونها، فأمكن لها سجن البعض منهم، في حين فرّ البعض إلى زواره بليبيا، واختفى البعض الآخر منهم، وسلطت السلطة كذلك على عزابة الوهبية ونفوسه وعامة الناس الذين يعطون لسنوية دون مستاوة خطيّة كبيرة ة (95)، فحملت الهياكل الدينية العليا لنظام العزابة المسؤولية، وسعت إلى إحداث قطيعة بينها وبين قواعدها الإباضية
في الجزيرة، ونجحت السلطة المركزية إلى حد كبير في تحقيق أهدافها تلك. استغل علي باشا الفراغ السياسي الذي أحدثته سياسته الردعية ضد هيئات نظام العزابة الدينية العليا للدفع بالهياكل المخزنية لكسب «القوة والسلطنة»، فحصلت رموز السلطة المركزية الدينية الزاوية) الجمنية المالكية ومؤسساتها الإدارية والسياسية القاضي والقايد على مكانة ووزن كانت على حساب الهياكل الدينية والسياسية الإباضية المحلية. وتعتبر فترة علي باشا تبعا لذلك فترة هامة جدا بالنسبة إلى تاريخ حضور الدولة في جربة، وكان حكمه منطلقا لضرب هياكل الأعيان المحليين الذين كانوا يمثلون جانبا من نظام العزابة نتناول هذا لاحقا) ولتغيير الخارطة السياسية في بادية الجزيرة نزل صراعها مع الهياكل المحلية إلى مستوى المسجد الإباضي والمؤسسات الدينية العاملة بداخله في آواخر القرن 18 وعلى امتداد القرن 19. واستعملت السلطة المركزية في تونس وهياكلها في جربة المجال السياسي الذي يمثل المجال الكلي لتدعيم مكانتها الجغراسياسية في الجزيرة، وأمكن لنا بالاعتماد على الوثائق المحلية تصنيف المؤسسات الدينية العاملة داخل مساجد الإباضية الموزعة في بادية جربة بعد سنة 1161 هـ (= 1748 م) إلى أصناف ثلاثة وهي:
المساجد
- الصنف الأول: حافظت بعض المؤسسات الدينية العاملة في الإباضية في بادية جربة المتمثلة في الأئمة والمدرسين وغيرهم على انتمائهم إلى المنظومة الفقهية الإباضية انتماء فعليا. ومثل هذا الصنف المقاومة السياسية لجهاز الدولة ولهياكلها التي تمثلها في الجزيرة وترمز إليها وكانت هذه القوى المعارضة تتوزع بشكل عام في دواخل جربة مثل إقليم سدويكش وقلالة وآجيم، وهي المناطق البعيدة عن حومة السوق المركز الإداري والسياسي للسلطة
39