إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤١12 شاهدا من حومة خبلاش بجربة ليكون إماما وخطيبا بجامع أبي زيد بالحومة المذكورة (99)، ولم يتم حصوله الفعلي على الوظيفة إلا عن طريق أمر سلطاني من البايليك الحسيني. وكان من نتائج الصبغة المزدوجة لهذه المؤسسات انحياز بعض الأئمة إلى نمط النفوذ المجتمعي المخزني، فسايروا سياسة الدولة، وعملوا على الانفراد بالتصرف في المساجد التي يعينون على رأسها وفقا لسلطة أبوية كان بها المذهب المالكي وتتبناها السلطة الحاكمة في كامل أنحاء يسمح البلاد، وانحاز بعضهم الآخر إلى نمط نفوذ مجتمعي كان متداولا إلى ذلك التاريخ في بادية جربة ويقوم على حياة جماعوية تعتمد على المذهب الإباضي، مثلما كان الشأن بالنسبة إلى يحي بن عمر القلالي الجربي إمام مسجد ترجو على الظهرة بقلالة الذي حصل على أمر سلطاني في سنة 1893، وتصرف في وقف المسجد وفقا لنمط مجتمعي محلي، فكان شطر غلة نخيله يأكلها إمام المسجد المذكور ما دام إماما والشطر الثاني تحفظ غلتها ويصرفها لجماعة المصلين به، وفقا لما جاء في الحبسية المؤرخة في 1039 هـ (= 1629_1630 م) (100). ونجد هذا الصنف من المؤسسات الدينية في المناطق الوسطى من بادية جربة والتي كانت تتجاذبها الهياكل الممثلة للنفوذ المركزي في الجزيرة من جهة وهياكل النفوذ المحلي التي بقيت تقاوم الزوال من جهة أخرى، ولم يخضع هذا الصنف إلا لميزان القوى بين هذه الهياكل وتلك.
(كذا)
هذا
وعبر ابن تعاريت بطريقته عن هذه الأصناف المختلفة بقوله: «وتجد أشياخ وقتنا (انتهى من تأليف رسالته في صفر سنة 1274 هـ (= 1857 م) … مع الضعف كله في العلم والرأي، تجدهم لا يتحدون على لفظة وكل مقتنعا برأيه وما عنده من علم وإذا صاويت (بمعنى جادلت) أحدهم يقول ما يقول من التنقيص في غيره … حتى صار هذا دينهم يفنى عليه كبيرهم وينشأ عليه صغيرهم، فمن أجل ذلك سلط عليهم الله الظلمة الغشمة، واستولى عليهم الأسافل، فلم يعرفوا قدرهم ولا قدر عملهم، وانتزعوا منهم سلطتهم وهيبتهم … وهذا آخر زمان لم يعد العلم يوقر ولم يعد لأهله قرارا (كذا) ولا شأن ولم يعلموا أن هذا
كله لسوء أفعالهم وعدم اتحادهم وسيرهم على منوال أسلافهم … » (101). ومجمل القول، لقد حصل في بادية جربة خلال القرن 18 القرن 19 تغيير عمودي لعبت السلطة المركزية دورا هاما في انطلاقه عن طريق المجال السياسي،
41