إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٢٦كليا إلى السياسة المخزنية على حساب السياسة العرفية وبذلك تبدأ مرحلة أخرى هامة تتمثل في القضاء على هياكل الصد ضد السياسة المخزنية وفتح الأخماس إلى السياسة المخزنية بالتحالف مع أعوان محليين من الإباضية أنفسهم وتهدف تلك السياسة إلى تغيير نمط النفوذ داخل المؤسسات الدينية الإباضية وفقا لنمط النفوذ الأبوي وتجاوزا لنمط النفوذ الجماعي والقضاء على الحياة الجماعوية القائمة عليه. وأصبح أعيان المال الإباضية في إطار استمرار تبنيهم لسياسة المداهنة شركاء للسلطة المخزنية في تونس في سياستها تجاه المجموعات والأقليات التونسية في مراكز الامبراطورية العثمانية المختلفة دون تخليهم على الحياة الجماعوية لأهل جربة «الشتات» وهو ما يعني التمسك باشتراط الانتساب إلى الإباضية ودون التخلي عن الروابط الدموية وروابط القربي المدعمة لها. فشغل البعض منهم وكلاء البايليك الحسيني في الايالة الطرابلسية و مصر و تركيا إلخ … وتغيّرت المنظومة الفكرية المحليّة في القرن 19 بالنسبة إلى ما كانت عليه في القرنين 16 و 17 م فاكتفى «أهل جربة بالانتساب إلى الإباضية استنادا إلى الموروث الديني والتاريخي بعد أن كانت المنظومة الإباضية في السابق تعتمد على الفقه كعلم يستند إلى الفترة التأسيسية للإباضية ونصوصها. وتمكنت السلطة المخزنية تدريجيا من القضاء على الحياة الجماعوية في بعض المؤسسات الدينية الإباضية من خلال انفراد المشرفين عليها بالتصرف في أوقافها كأفراد طبقا لما تنص عليه النصوص المخزنية التي يحصلون عليها وطبقا لطريقة التصرف الأبوية المعتمدة في المؤسسات المالكية والحنفية دون التمكن من القضاء على الحياة الجماعوية في العديد من المؤسسات الدينية الأخرى واستمر ذلك إلى عهد الحماية.
الحالات
واتسمت سياسة الأتراك العثمانيين المتمثلة في الاجراءات والنصوص الصادرة عن المركز بتونس (زمن الدايات والبايات المرادتين والبايات الحسينيين) أو الصادرة عن المركز بإسطمبول بالانسجام وكان هدفها في جميع القضاء على المذهب الإباضي وعلى الحياة الجماعوية القائمة عليها وكانت سياستها تجاه أهل جربة ثابتة على امتداد العصر الحديث من حيث منطلقاتها ومقوماتها وتمثلت في اعتبارهم خوارج وفي توظيف أداء «قطيع بر الترك» عليهم وتكليف أعوان المخزن العاملين بجربة بتطبيق الأوامر الصادرة عن السلطان العثماني والخاصة بأهل جربة (الفرمانات) وكانت هذه السياسة مجدية
426