إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤٤

الإدارية والسياسية والجبائية وغيرها إلا من تتوفر فيه الثروة الاقتصادية، ويختلف الأعيان المحليون فيما بينهم من حيث خدمة الدين والسلطة، فيلتحق الأعيان المحليون المعتنقون التفكير المذهبي الإباضي بهيئات «الجماعة» ومؤسسات الوحدات الجغراسياسية المحلية الأخرى ويمنع أعيان السنة (مالكية وحنفية) من الالتحاق بها والمشاركة في توليها، فلا يتم ارتقاء هؤلاء إلا إلى الوظائف السياسية والإدارية والجبائية التي تتحكم فيها السلطة المركزية وحدها. وقد أدت التحولات الاقتصادية الحاصلة في ثروة الأعيان المحليين أفرادا كانوا أو عائلات من الإباضية أو من السنة إلى تغير في أوضاع أصحابها الوظيفية والسياسية والاجتماعية، فلقد ورد في وثيقة بتاريخ 1257 هـ (= 1858_1859 م)

ما يلي: أن الأجل الوجيه سي حميدة الشرفي أمين التجار بجربة قائما بأحوال المتجر مع أرباب القبلة (الشرق) والآن رايم (يريد) الانفصال عن الخدمة لعدم المحصول … ومنعناها لعدم وجود غيره ممن يقوم مقامه فأسعفنا لذلك وطالب من فضل سيادتهم العلية … بأن تعمل له تأويل (حلا) في شيء مرتب يستقام به (كذا) أحواله عن الخدمة لكونه مضطرا إلى ذلك (112). ويستفاد من هذه الوثيقة أن تقلص ثروة حميدة الشرفي كان عنصرا حاسما في الحط من مكانته في السلم الاجتماعي، ولم يلعب عنصر خدمة الدين ولا خدمة الدولة نفس الدور الذي لعبه عنصر الثروة.

وكان تدهور أوضاعه الاقتصادية ناتجا عما شهدته التجارة الخارجية في تلك الفترة من انتقال محورها من المشرق نحو الغرب بعد احتلال الجزائر في سنة 1830 ونفاذ المصالح الغربية إلى البلاد التونسية.

يرجع التحول الذي شهدته جربة في ترتيب أولويات المقاييس التي تقوم عليها هيئات الأعيان إلى انتقالها من مجتمع تقوم العلاقات فيه بين «أجزائه» على الصراع الأديولوجي إلى مجتمع تصدرت الصراعات الاقتصادية فيه الحياة العامة بداية من القرن 16 وخاصة في القرن،17، حيث دخلت الجزيرة وغيرها في اقتصاد نقدي متطور من مظاهره إحلال الريال محل الدينار والناصري الحفصيين (113)، واختص الأعيان المحليون المعتنقون للتفكير المذهبي الإباضي بالمشاركة في هيئات الجماعة»، ويقوم تنظيمها على بناء هرمي وفقا لصبغة

44