إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٤٩وتكفلت المؤسسات والهيئات المتفرعة عن نظام العزابة ولاسيما هيئات الجماعة في الداخل والخارج بإنجاز تلك الاستراتيجية، وجعلت من جزيرة جربة نقطة ارتكازها الوحيدة، وقامت تلك الاستراتيجية على إنشاء سوق عمالة يتكفل أعيان جربة بتطويرها وفقا لما تسمح به أنشطتهم الاقتصادية، وتمتد تلك السوق على كافة المناطق التي يتوزع فيها أهل جربة «الشتات».
فكان الجرابة «الشتات» يجلبون الصبية من الجزيرة إلى مراكز استقرارهم للعمل في ورشهم أو متاجرهم، شأنهم في ذلك شأن الكثير من أصحاب المهن
(135)
(136)
الصناعية وغيرها من المغاربة في المشرق العربي، ويشترط في أولئك الصبية أن يكونوا من معتنقي التفكير المذهبي الإباضي
وكانت هيئات الجماعة خارج الجزيرة تتكفل بالإشراف على استقرار الصبية وإقامتهم وإدارة شؤونهم العامة داخل أقليات الجرابة الشتات»، فكانت تخصص للعمال الوافدين على مجموعات الجرابة «الشتات» مقرات إقامة خاصة تعرف الواحدة منها بدار «الجماعة يستقبل فيها أولئك العمال.
وتتوارث تلك المحلات جيلا بعد جيل، واستمر العمل بها في عهد الحماية (137)، فلقد وجد منها آنذاك في تونس العاصمة مثلا عدد نذكر منه «دار صدغيان» و «دار قشعيين» و «دار غيزن الخ .. وتنم تلك التسميات على الانتماءات الجهوية للوافدين عليها وهي أدنى الروابط إلا أنها كانت تتكامل مع الروابط الدينية المذهبية القائمة بين أهل جربة الإباضية.
ويشترك المقيمون في هذه المساكن التي عادة ما تكون ملكاً، في دفع مبلغ كرائها وتكون تحت إشراف الجماعة»، وبموجب العادات المتداولة بين أهل جربة والمعمول بها إلى اليوم فإن العامل قد يكتفي في بداية وظيفته بما يوفره له المعلم» من غذاء وملبس ومسكن لاكتساب صناعة التجارة أو غيرها ثم يتقاضى بالتدرّج نسبة من الأرباح تتراوح بين 10 % و 50 % علما بأن معايير العمل تنص على تقاسم الأرباح بين رأس المال (50%) والعمل (50%) على أن يبقى رأس المال ملكا لصاحبه.
وكان نظام العمل لأهل جربة شديد الارتباط بالنظام التعليمي الذي كانت تشرف عليه الهياكل الإدارية والسياسية المحلية في الجزيرة والقائم على إشاعة
49