إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث محمد المريمي

إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث

الجزء ١ · صفحة ٥٤

وآل ابن جلود (1588 - 1759) كانت تحيل السلطة السياسية بشكل عام إلى أفراد عائلة قوية تجبي الضريبة لنفسها وتمارس النفوذ لصالحها. ونحن نذهب إلى ما ذهب إليه جمال بن طاهر بالنسبة إلى مؤسسة شيخ العرف المتداولة في بعض المناطق من الإيالة التونسية (15) من أن المقدم بجربة كانت مهمته تتمثل في ممارسة السياسة العرفية في إطار الإقليم الذي يعين على رأسه وكان يعتبر حلقة الوصل في ذلك بين الأهالي وهياكل النفوذ العليا للوحدة الجغراسياسية التي كان ينتسب إليها. ونتيجة للتطورات السياسية التي عرفتها الجزيرة والإيالة التونسية عامة لم تعد مهمته تقتصر على تطبيق السياسة العرفية بل أسندت إليه أيضا مهمة تطبيق السياسة المخزنية. فلقد اختفى المقدمون في جربة إبان أحداث 1159 هـ (1746) م) التي لحقت استيلاء الفقهاء المرتدين عن المذهب الإباضي من عائلة اليونسي على إمامة جامع تاجديت بحومة فاتو من إقليم صدغيان خوفا من أعوان المخزن وكانوا ثلاثة حوانبا) من خدام الباشا دخلوا إلى هناك قادمين من صفاقس على إثر إهدار دم الفقيه سعيد بن عبد الرحمان اليونسي من حومة القشعيين كما اختفى مشايخ العلم والأعيان المحليين (أي «الوجوه») في الجزيرة (158).

ولم يكن اختفاؤهم آنذاك يعني سوى انحيازهم إلى السياسة العرفية المعتمدة من قبل هياكل النفوذ المحلي للمجموعة الإباضية الوهبية بجربة على حساب السياسة المخزنية للبايليك الحسيني، وسوف تكون تلك الأحداث منعرجا في اتجاه بحث مؤسسة المقدم على توازن جديد تكون فيه للسياسة المخزنية الأسبقية على السياسة العرفية نتيجة لانتصاب مؤسسة القايد التي أقرها علي باشا 1169 - 1147 هـ (= 1735_1756 م في جربة وتدهور نفوذ العائلات المحلية الحاكمة ثم سقوط آل ابن جلود النهائي من مؤسسة مشيخة جربة 1172 هـ (=17591758 م). وسوف تعمل السلطة المركزية للبايليك الحسيني على تقنين وضع مؤسسة المقدم من خلال إصدار حسين باي 12511239 هـ (18351824 م) أحكامه الموجهة إلى جماعة جربة» والتي نصت على ما يلي: «المقدمون لا يعزل أحد منهم إلا بين أيدينا وبعد اتفاق جماعته على عدم صلاحه بمحضره لدينا وكذلك المشايخ الذين بالبلدان لا يعزل أحد منهم إلا بين أيدينا (159). ونذكر من بين الأمثلة للمهام السياسية لمؤسسة «المقدم» أن مشايخ

54