إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٧٢المحلية سواء في عهد آل السمومني أو في عهد آل ابن جلود. وتجلّى اعتمادهم على الإديولوجيا الإباضية من خلال بنائهم للعديد من المساجد في مختلف مناطق بادية جربة فكان جامع الشيخ في السوق الكبير وهو لمنشئه الشيخ صالح السمومني في القرن 10 هـ (القرن 16 م. كما كان جامع الشيخ بوادي الزبيب للشيخ عبدالرحمن ابن جلود المتوفى سنة 1100 هـ (= 16891688) وجامع الشيخ بوالغ السعيد بن عمر ابن جلود في سنة 1034 هـ (1624 - 1625 م) (259). وتدل هذه المباني المختلفة على الثروات المالية التي أودعت بخزائنهم خلال فترات حكمهم وعلى الأوضاع الاقتصادية التي كان عليها أهل جربة آنذاك. وتفيد بعض الوثائق التاريخية غير الإباضية أن مشايخ آل ابن جلود زاولوا السلطة في عهدهم عن طريق الاستبداد وتجسد ذلك في مظاهر «الأبهة» و «البذخ» حسب عبارة ابن خلدون فلقد اعتاد شيخ جربة سعيد البجلودي أن ينزل إلى البلد (السوق الكبير) كل يوم سوق يتخذ لنفسه محلا يجلس فيه وكلما فرغ السوق ركب فرسه وركب معه أتباعه وأصحابه ورجع إلى قصره وهو بعيد عن السوق (260). وتدل مظاهر الأبهة والبذخ التي اعتمدها مشايخ العائلات الحاكمة في جربة على شارات الملك وهي مظاهر كان يعتمد عليها حكام السلطة المركزية. وتبقى واحدة هنا وهناك من حيث دلالاتها ومدلولاتها وإن اختلفت في مضامينها نظرا لاختلاف الإمكانات بين حكام المركز وحكام الجهات. وكان الشيخ سعيد بن جلود يخصص يوما في كل أسبوع يجتمع فيه مع الآغا (آغا الحنفية) (261) وتثبت الأخبار التاريخية التباين بين الحكم في عهد آل السمومني وفي عهد آل ابن جلود فلقد كان أولئك يستمدون سلتطهم من نظام العزابة وخاصة مجلس العزابة الأعلى فلم يكن مشايخ آل السمومني يقدمون على أمر إلا بعد اشارة العزابة (262) ومثال ذلك اجتماع عزابة الوهبية برئاسة يونس بن سعيد ابن تعاريت في سنة 915 هـ (= 1509 - 1510 م) أثناء هجوم الإسبان على جربة وتولى الشيخ أبو زكريا السمومني وأولاده تنفيذ أمر مجلس العزابة فتزعم عسكر أهل جربة أما فيما يخص عزابة نفوسة فقد راسلهم المجلس مباشرة (263). وأما آل ابن جلود الذين حكموا في فترة لاحقة 17591588) فإنهم اعتمدوا على سياسة فردية فلم يستندوا إلى نظام العزابة الذي كان قائما في عهدهم ولا إلى أوامر هياكله العليا بل اكتفوا بالاعتماد على بعض فقهاء الوهبية وكانوا من عائلة اليونسي من إقليم صدغيان. فمرروا السياسة المخزنية مسايرة لمناهج الأتراك
72