إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٨٤(304)
الذين تمكنوا من إخضاع بقية الوحدات في الداخل، فعارضوا عثمنة الجزيرة، وتمسكوا بالوحدة الجغرافية الإقليمية. كما عمل مشايخ الحكم من آل السمومني بجربة آنذاك على التقرب من المسيحيين على حساب الأتراك العثمانيين واعتبر أهل جربة في سنة 966 هـ (= 1558 - 1559 م) دخول الإسبان إلى الجزيرة ونزول عمارتهم عليها رحمة وفكاكا (بمعنى خلاصا) للمسلمين» (305). واعتبر الأتراك العثمانيون في المقابل دخولهم إلى جربة في سنة 968 هـ (= 15611560 م) «فتحا» (206)، وتمسكت هياكل النفوذ المحلي بالتفكير المذهبي الإباضي رافضة الخضوع إلى هيمنة المخالفين من معتنقي التفكير المذهبي السني ولا سيما الحنفي. فأخضع الأتراك العثمانيون «أهل جربة» إلى نفوذهم عن طريق غزوهم عنوة على يد الغازي مصطفى بأمر من درغوث باشا في عهد السلطان سليمان القانوني (15661520) وتعاملوا مع أهلها مثل تعامل العرب لما غزاهم رويفع بن ثابت الأنصاري سنة 47 هـ (=667_668 الفاتحين معهم. م) (307)، فأخضعوا جربة إلى إدارتهم المباشرة وأوكلوا بعض الجوانب منها إلى المركز تونس وفرضوا على أهلها أداء يذكر بأداء العرب الفاتحين الأوائل يدفع مباشرة إلى خزينة اسطنبول عن طريق قايد جربة (308)، وأوكلوا مهمة تبريره على المستوى الديني إلى القاضي المالكي وكان أداء إضافيا بالنسبة إلى ما يدفعه «أهل الجزيرة» إلى سلطة تونس. ولم تفقد سلطة اسطنبول نفوذها على «أهل جربة» على امتداد العصر الحديث ويذكر حمودة بن عبد العزيز أنه «اتفق في أيام مرض مولانا محمد باي … وصول قبجي باشا من حضرة الخلافة الخاقانية ومقر السلطنة العثمانية بفرمانات التقليد والخلع بولايته باشا المملكة الإفريقية وولاية مولانا … بأي العساكر وأمير المحال المنصورة ومتولي جباية الأموال من البلاد ونزل بجزيرة جربة واشتاق مولانا محمد باي إلى وصوله إليه» (309). فتعامل قبجي باشا مع جربة مثل تعامله مع تونس من حيث هي منطقة لنفوذ الأتراك العثمانيين في الشمال الإفريقي. ولم تكن سلطة اسطنبول ترغب في مباشرة إدارة الشؤون المحلية بجربة بنفسها، فالجزيرة منطقة مهمشة من حيث عدد سكانها، فأوكلت المباشرة الفعلية لها إلى إحدى مراكزها في الشمال الإفريقي وخاصة العاصمة تونس مع المحافظة على رموز المباشرة ومظاهرها. ولم تكن سياسة حكام تونس مختلفة عن سياسة حكام اسطنبول تجاه أهل جربة. فلقد كانت جميعها في خدمة فئة الأتراك والفئات المتحالفة معها من سكان البلاد. وليس هناك ما يفيد في
84