إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث
الجزء ١ · صفحة ٨٥الوثائق التاريخية التي اطلعنا عليها على أن العلاقات بين «أهل جربة» ومركز اسطنبول قد تغيرت على امتداد العصر الحديث فلقد طبقت فرمانات الباب العالي المتعلقة بجربة ودفع أهل الجزيرة بانتظام الأداءات الموظفة عليهم من قبل سلطة اسطنبول ومرت علاقة جربة بسلطة الإيالة بفترات سياسية مختلفة امتازت بالمد والجزر على امتداد نفس الفترة وذلك خلافا لعلاقتها باسطنبول. ويمكن أن نقسمها إجمالا إلى مرحلتين تاريخيتين: مرحلة الدايات والبايات المراديين ثم مرحلة العهد الحسيني.
أنه
مرحلة الدايات والبايات المراديين:
نعتمد لدراسة علاقة أهل جربة مع سلطة تونس في هذا العهد على خبر ذکره سليمان الحيلاتي يرجع إلى سنة 1022 هـ (= 1613 - 1614 م) يبدو لنا يكتسي أهمية تاريخية بالغة يقول فيه حرفيا: وفي السنة الثانية والعشرين سافر الشيخ أبو القاسم اليونسي إلى تونس لما سعي به عند الباشه وبعث إليه طالبا منه ألفي دينار سلطانية وسافر مع جماعة من الفقهاء وغيرهم فأيده الله على من عداه وصار له الفخر العظيم عند أمراء تونس وفقهائها وقد سبقه هناك من سبق … فانتصر … والتقى هناك مع القاضي الذي طعن فيه وخاصمه وغلبه وكانت الدائرة عليه وعزل وطرد … وصار مثالا يعتبر (كذا) (310). اتخذ قاضي جربة إذن من الفقيه أبي القاسم اليونسي موقفا عدائيا، وكان مطالبا وفقا لما تقتضيه وظيفته بتطبيق المادة القضائية بجزأيها الديني والسياسي، وكانت حادثة اليونسي من الحوادث العادية التي كانت تتعرض لها السلطة الدينية الإسلامية وقد لا تكون مختلفة في جوهرها عن حادثة القاضي كمال الحنفي الذي اشتكى منه الفقهاء المالكية بتونس في سنة 1591، وإن كان توزيع الأدوار هنا هو غير توزيع الأدوار في سنة 1022 هـ (= 1613 - 1614 م) في جربة (311). فافتتحت الآلة الإجرائية العادية لمكافأة الفقيه الإباضي مثلما افتتحت في شأن القاضي كمال، فانتقل الفقيه اليونسي إلى تونس للتحقيق معه من قبل الباشا ولعرض أمره أمامه حيث كانت ترجع إليه جميع المسائل المتعلقة بالنظام القضائي بجزأيه الشرعي المعتمد على الأحكام القرآنية) والسياسي القائم على ردع الجنايات التي لم يضع لها الشرع عقوبة محددة (312). فوظف الباشا على الفقيه اليونسي أداء غير عادي تمثل في خطية بألفي دينار
85