علوم القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية. فهي بضلالها عن مصدرها الأول - قوة الله - تفقد قوتها الحقيقية. تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب، فما يلبث أن ينطفيء ويبرد ويفقد ناره ونوره، مهما كانت كتلته من الضخامة على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها بكُم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غلبتْ فِئَةً كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 249] غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأول، وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعاً.
وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف والصداقة، لا موقف التخوف والعداء. ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته محكومتان بإرادة الله
ومشيئته متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه.
إن عقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً، وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها. ويتعرف إليها ويتعاون، وإياها ويتجه معها إلى الله ربه وربها. وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً، فإنها تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها، ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها.
ولقد درج الغربيون - ورثة الجاهلية الرومانية - على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم: «قهر الطبيعة» ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله، وبروح الكون
- 254 -