علوم القرآن (مقرر مرحلة الدراسات الشرعية العامة — السنة الثالثة) فضل حسن عباس

علوم القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكَتَب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجا

[الكهف: 1] وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ

نذيرا.

الفرقان: 1] وقال في معرض الحديث عن إبلاغه

الرسالة ودعائه الله: {وَأَنَّهُ لَمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا الجن: 19] وقال في الحديث عن الإسراء برسول الله الذي ترتب عليه أن ينال من الإكرام مالم ينله أحد قبله: سبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَادُ الَّذِي بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ايْنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

[الإسراء: 1] وهذا لأن عبادة الإنسان لربه وعبوديته له تعنيان تحرير رقبته من الذل لسواه وتخليص قلبه من الخضوع لغير عزته، وقد غلا بعضهم فادعى أن العبودية أشرف من الرسالة حكى ذلك الفخر الرازي في تفسيره ولم يتعرض له بشيء، وحاصل ما احتج به هذا القائل أن الرسالة انصراف عن الحق إلى الخلق، والعبودية انصراف عن الخلق إلى الحق والعبودية أيضاً تجرد عن التصرفات، والرسالة تلبس بها، وهذه فلسفة باطلة لايجوز لمن يؤمن بالله ورسله أن يقرها فالرسالة هي أشرف المقامات وأعلى الدرجات التي يوصل إليها بمحض اصطفاء الله تعالى ولاتُنا في العبودية، ولذلك وصف الله بهما أحب الناس إليه وأرفعهم عنده سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست الرسالة - كما قال - انصرافاً من الحق إلى الخلق وإنما هي اضطلاع بواجب أمانة الحق لإبلاغها إلى الخلق، وإذا كانت تقتضي اشتغالا بالتصرفات فإن تلك التصرفات هي من أقرب القربات إلى المرسل سبحانه فهي داخلة في حدود عبادته وأعظم الدلائل على إخلاص العبودية له.

- 279 -