الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠أنه
المسائل العلمية التي تستوجب دقة النظر في أدلتها حتى يجب على المجتهد العمل بما أدّاه إليه اجتهاده الذي لا يجوز له تقليد غيره
'
وهاهنا نفهم أن حرية التمذهب وتعدد المذاهب واختلاف الأيمة، لا تتعارض مع وحدة الأمة ولا تُهدّد، كيانها حسب رأي ابن تعاريت. وهوراي قديم، ولم يتجاوزه المعاصرون، وأيده المدافعون عنه بجملة من
النصوص، حيث رأوا في الاختلاف رحمة، وفي التنوّع قوة وعمقا وحياة. فالطاهر ابن عاشور، مثلا يرى أن تفريق الآراء في التعليلات والتبيينات لا بأس به، وهومن النظر في الدين مثل الاختلاف في أدلة الصفات، وفي تحقيق معانيها مع الاتفاق على إثباتها وكذلك تفريق الفروع، كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء مع الاتفاق على صفة العمل وعلى مابه صحة الأعمال وفسادها كالاختلاف في حقيقة الفرض والواجب. فكل تفريق لا يُكفّر به بعض الفرق بعضا ولا يُفضي إلى تقاتل، وفتَن، فهوتفريق نظر واستدلال وتطلب الحقيقة بقدر الطاقة.
وتعبيرا عن هامش الحرّية المذهبية الوسيع، ونسبية الحقيقة في كلّ. المذاهب والعقائد الإسلامية، يقول ابن عاشور في جرأة المفكر العقلاني الرصين: " وفيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الاعتقادات، فالمسلم مخير في اعتقاد ما شاء منه، إلا أنه في مراتب الصواب والخطا. فالمسلم أن يكون
،
سلفيًّا، أو أشعرياً، أو ما تُريديًا، أوأن يكون معتزليًّا، أو خارجيا، أوزيديا أو إماميًا وقواعد العلوم وصحة المناظرة تُميّز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطا، أوالحق والباطل ولا تُكفّر أحدًا من أهل القبلة. فإذا كان من بعض النحل المحدثة ما يستلزم ويجر إلى إبطال معلوم من الدين بالضرورة، فترجع إلى المؤاخذة بلازم الرأي وتعرف عند الفقهاء بالتفكير باللازم وتلك حالة للنظر فيها مجال وتفصيلها يستطال "2.
1 - م. ص 453
1 - تفسير التحرير والتنوير ج 8 ص 194
2 - ابن عاشور: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ص 172
200