الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

ولد سليمان الجادوي بحومة آجيم في جربة، وفي مدرسة جامع ليمس

تلقى مبادئ العلوم ثم التحق بجامع الزيتونة ليلازم الدروس فيه ثلاث سنوات. وهو المسار نفسه الذي سلكه سعيد ابن تعاريت من قبل، وبن يعقوب من بعد فيَحْسُن بنا هاهنا أن نقف لنستنطق صلة الإباضية المغاربة عموما، وبالأخص الجربيين بجامع الزيتونة الذي لا يُقر إلا مذهبي المالكية والأحناف. فالذي يظهر أوّلاً أن الإباضية لا يُمكن لهم أن ينكروا قيمة جامع الزيتونة العلمية، ودوره العريق والشهير في نشر الثقافة الدينية، وترسيخ مقومات الهوية الوطنية والعربية الإسلامية.

ولذلك سعى إباضية جربة إلى الاستزادة من العلوم الدينية بالتوجه إلى العاصمة، ورأوا أن تكوينهم لا يكمل إلا بالدخول إلى جامع الزيتونة الذي يصفونه ب: "الجامع المعمور" و"الجامع الأعظم"، ويدعون بعمرانه، ويصفون نخبة من شيوخه ب"الأساتذة الفحول"، كغيرهم من التونسيين والمغاربة. وقد عبر بن يعقوب عن هذا المعنى عندما تحدث عن مدرسة جامع الباسي التي تعلم فيها قائلا: "لفظت أنفاسها الأخيرة خاصة عندما عزم التلامذة الأولون مواصلة دراستهم بجامع الزيتونة. فانقطعت عن الدراسة في آخر 1346 هـ / 1928 وابتداتُ دراستي في جامع الزيتونة ". وكان الجربيون يتهيبون الدراسة بهذا الجامع، فلا يبعثون إليه إلا من تبين نبوغه. وكل هذا لا يعني البتة أن إباضية جربة يستنقصون مشائخهم، بل على العكس يتباهون بالمعيّتهم محليا ووطنيًّا.

ويحق لهم أن يتباهوا. فجزيرة جربة أنجبت جمهرة من العلماء المبرزين الذين لم ينالوا نصيبهم من التراجم والشهرة ولكن آثارهم ظلت غرة في جبين البلاد التونسية.

ومن الأمثلة على افتخار الجربيين بذلك، هاتان القصتان:

/ "قدم العالم أحمد السناري الحبشي إلى جربة طالبا مناظرة العلماء، وكان ممتازا في علم المنطق وغيره واجتمع مع القاضي والمفتي المالكيين فأفحمهما،

1 - بن يعقوب: م. س. ص 209

228