الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٣١١ولكن لجرّ منقولاتكم بأبخس ثمن ولتعبية جنودكم في أقل زمن. وثابت، أقمتم بهمة الأسلاك البرقية ولكن للتخابر في شؤونكم والتشاور في أموركم على أيسر وجه. وواقع، نظمتم الدواوين وأبدعتم في تنسيقها ولكن لتقليدكم مناصبها واختصاصكم بمراتبها. وصحيح، هذبتم الشوارع ولكن لوقاية أحذيتكم من الطين ونجاتكم من الوحل المهين وحري توصلتم لاستخلاص الأداءات بأتم أنواع الحكمة ولكن لتصرفوها في مساكنكم وملابسكم ومشاربكم ومنازلكم ثم ما بقي على ما ترون فيه سداد ولا جحود في سيادة الراحة بأنحائي والسكينة بأرجائي حتى الحسب والنسب ولكن كيف يخاف من لا ذنب له سوى التغالي في الطاعة والمبالغة في الولاء" '.
وإنّه لمن اللافت حقًّا أن يطلق الجادوي مصطلح "الاستعمار" على ما سُمّي بـ"الفتح الإسلامي".
ففي دفاعه عن العرب والمسلمين وتشهيره بفظاعات المعمرين، يؤكد على أن العرب جاؤوا بآيات البراعة في الاستعمار"، وأن "منزلتهم في قلوب من استعمروهم مكينة "، وأنهم "انتهجوا في استعمارهم نهج الصراط السوي "، ويضيف: "انظر إلى وقت قيام العباسيين في وجه بني أمية وملكهم يومئذ ممتدّ إلى حدود فرنسا تر العرب وقتئذ قد امتشقوا السلاح في أوجه بعضهم وثارت اليمانية على المصرية وامتدت تلك الثورة إلى حيث انتهت رايات العرب. هنالك ترى الخلافة ملقاة بين الشامي والعراقي يتنازعها من يرى أن له فيها حقا والجيش الذي هو قوة الأمة وسياج سلطانها قد انفرد لبعضه وولى المستعمرات ظهره حتى بقيت بلاد الأندلس ثلاثة أعوام بلا حاكم وبلا نصير. ولكن مع ذلك ترى المستعمرات هادئة وأهلها مقبلون على الأشغال لا يبتغون عن أولئك بديلا … ". 2
ولعلّ الجادوي قد أفرغ هاهنا مصطلح "الاستعمار" من كل معاني الهيمنة والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وهي المعاني المألوفة والمتعارف
1 - م. صص 110 - 115 2 - م. صص 182 - 185
311