الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٣١٣

أ- التصفية

لقد دأبت "مرشد الأمة" على التشهير بجنايات المستعمر، وشراسته العدوانية.

فتحت عنوان "جناية سوق الإربعاء أو بعض جرائم المعمرين "، ينقل الجادوي من خطاب الرئيس الفرنسي ميلران (ت 1943) إلى جاليته حينما زار تونس: " .. إن أم الوطن لا تنساكم أبدا وهي في إعانتكم، لا رئيس الجمهورية فقط أووزير الفلاحة، بل الوطن أم الوطن، لأنكم تقومون بمشروع التمدين .. وراء البحار، وتُنمون بجهادكم ثروة الأرض، وتستخرجون كنوزها، وتغرسون محبة فرنسا في قلوب الأهالي الذين أتيتم لحمايتهم، وقد أخلصوا بتقديم الضحايا في سبيل نجدتنا ولتعليمهم وتربيتهم وتخليصهم من الهمجية والاستعباد وتشريكهم في منافع البلاد … ".

ثمّ يُعقب على ذلك بسرد جناية المعمّر دومنيفال بإجهازه على عاملين من عملته التونسيين في وحشيّة وضراوة بسبب أكلهما لعنقود عنب بلا إذنه. وينبه الجادوي إلى أنّ مثل هذه الجرائم التي ترجعنا إلى القرون المظلمة وعصور التوحش، وهي حلقة من سلسلة اعتداءات طويلة، تدل على أنّ مقترفيها لا إنسانيّة لهم والذي شجّع أمثال دومنيفال على هذا الرحمة التي يجدونها في القانون عند تطبيق الحكام للفصول على الجريمة فلا يقع نظرهم إلا على قانون التأجيل لا غير.

هي

ويُذكر بجناية ماطر التي صادف فيها الجاني شفقة الحكام، فلم يُعاقب الجاني بغير خطية بخمسين فرنكا بعد أن قتل وطنيًّا عمدًا ولا ذنب له إلا الوقوف بالطريق ينتظر المارّة صباحًا وهو أعزل من كل سلاح.

،

ويسأل الجادوي في جرأة، مستنكرًا صمت الإدارة الفرنسية وسياسة المكيالين التي تعتمدها واحتقارها للنفس التونسية ومومنا في إشارة عابرة إلى سلبية أبناء وطنه فيقول: " .. ما بالهم أهملوا ذكر هذه الحادثة وشرحها في جرائدهم ولوبنوع إنكار واستهجان حتى من جهة الخطاب الرئيسي فقط، وسترا لماضيهم في تجسيم الصغاير والهفوات الطفيفة التي تصدر من الوطنيين وبمجرد الوهم أحيانًا؟ فإنهم لا كثر الله من أمثالهم في الجالية قد عوّدونا عند تلف دجاجة لمعمّر أن يملؤوا الفضاء صراحا وعويلاً، ويشيروا على

313