الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٣١٦الباطن من أدناس الكسل ويطهره من غوايات الانخذال. وهو الجند العديد، والعلاج الوحيد لأمراض الأرواح، ودواء الأشباح من علل الشقاوة والأتراح. ويقرن الجادوي، في براعة ترميزية فائقة، بين الجهل والهوان
والهمود، من جهة، وبين العلم والطموح والتحدّي، من جهة أخرى. فالجهل بأصل طبيعته ميّال للمسالمة، صبور على مؤثرات الكوارث، مقناع بما أفرغ عليه ربه من ميازيب الثراء ولوالحشيش والماء، مطواع لعوامل العزلة والانقطاع لحدّ الزهد، تأبى نفسه احتمال الضيم من غير بني جنسه، بل تكره حتى مرور ذكرها على لسانه ولوعن غير قصد، أما مواددته فعندها من أكبر الكبائر. أما العلم فمكلاف بالفتوحات مقراع لأبواب المشاغبات، جزاع من النكبات والحوادث الملمّات، حريص على اقتناء الأرض والسماوات وسيادة ما فيها من المخلوقات، مفتونا بالحفلات والاجتماعات، عشاق لاقتحام المشاق في سبيل الرغبات فلا تصدّه العقبات، ولا يهاب الورطات، ولا يبالي بالزلات حتى بين قومه وذويه وعشيرته التي تؤويه، فلا يقر له قرار إلا إذا أنشأ مشكلة أو أثار فتنة أو أحدث مقتلة تسير بذكرها الركبان، لا كما عليه الصنف الأوّل من الهدو المتوالي والسكينة المسترسلة 2. ويستنكر الجادوي وصف أحد البرلمانيين التونسيين بأنهم "أمة أُميّة"، ويحمل دولته الاستعمارية هذا العار على فرض التسليم بدعواه. ففي حين ارتقت الأمم إلى أسمى درجات الرقي، وأصبح فيها غير المتعلم من الشواذ، عاملت إدارة المعارف أبناء الوطن بتقتير التعليم وضيق نطاقه 3
،
يقول: "مضى على الحماية ما يناهز الربع قرن ولمْ يُرَ وطني مهندسا، أو حكيما، أو حقوقيًّا عليمًا أو مقتدرا على الركض في معارج الصناعات … أما ما جرى من قفل المكاتب بالآفاق، وسدّ أبوابها بصخور الاستبداد بالحاضرة، فحدث عن مدير المعارف ولا حرج فإنه أبدى من أفانين حرمان التونسيين من التغذي بلبان العرفان ما لا يقدر عليه نيرون الجبّار، وتيمور الظلوم حتى
1 - م. ص 47 2 - م. صص 78 - 80
3 - م. ص 376
316