الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٣٣٢

للعيش عيشة مشتركة، وإذا عرف كيف يكون لنفسه الهياكل اللازمة لوجوده ك "أمة" قائمة الذات، وكذلك إذا أمكن له أن تكون له نوع من الثقافة، ونوع

من القدرة على أن يحكم نفسه بنفسه، ويدير شؤونه دون وصاية من أحد!

1

وفي هذا السياق، يرى فتحي التريكي أن الفكر السياسي الإسلامي تطور، بعد التلاقح الحضاري، فبدأت تتكوّن فعاليّة فكرية جديدة، لها مقومات فكر سياسي عقلاني، لا يكتفي بأنّ مفهوم "الأمة" مرتبط بالخيار الديني، وب "الهوية الإسلامية" التي هي القطب المحدّد للمجموعة والمكوّن لبنيتها وأنشطتها خضوعًا للشريعة بل تجاوز ذلك إلى إضافة معطيات اجتماعية دنيوية، إنسانية. ويُعدّ الفارابي (ت 339 هـ / 950 م)، من أبرز الفلاسفة الذين أعطوا بُعْدًا دنيويا لمفهوم "الأمة"، فهي: تكتل أناس في إقليم واحد حسب أنماط معيّنة يتحدّد أدناها في المنزل، وأقصاها في المعمورة، مرورا بالقرية والمدينة. فالذي يوحد الجماعة و"الأمة" ليس الدين فقط، وإنما كذلك الإقليم والتاريخ واللغة.

ويستنتج التريكي من كلّ هذا أن مفهوم "الأمّة" قد تخلص من النفوذ الديني، والمقدّس، وأنّ العلمنة السياسية لـ"الأمة" قد وجدت في حضارتنا قبل أن تأتينا من الغرب، وأن مفهوم "الأمة" تطوّر باتجاه العقلنة والدنيوية، ومكن الفرد من اكتساب شكل من الحرّية، بنصيب لا يستهان به، وأن هذا التحوّل في المفهوم، قد يشجع على تكوين مفهوم "المواطنة"، وبناء مؤسسة إنسانية متحررة من المجتمع

وبهذا، كان مفهوم "الأمة القطرية"، كما عند الجادوي ومعاصريه، في الأساس، مفهوما دفاعيًا ضدّ الإلغاء الاستعماري فلم تكن "الأمة التونسية" في هذا الإطار مفهوما مناقضاً للانتماء العربي الإسلامي، بقدر ما كانت مفهومًا

1 - عدنان منصر: من "الشخصية التونسيّة" إلى "الهوية التونسية" إلى "الأمة التونسية": محمد مزالي والبشير بن سلامة

على الموقع الإلكتروني: tunisiehistoire.blogspot.com 2 فتحي التريكي: مفهوم "الأمة" بين الديني والعلماني. صحيفة العرب 2014/ 07/08

ص 8

332