الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩فهو يرى أن الزعيم استفرغ جهده في نشر "المبادئ الحرة"، و"الأفكار العمومية الواسعة"، ولم تكن القضيّة المرفوعة عليه باسم الدين ' إلا محاولة ل" إنثار عقده، وإثخان جهده ". كما لم يكن سجنه بتهمة "التآمر ضدّ أمن الدولة"، إلا عقابا على " قيامه بمصلحة عامة وخدمة وطنيّة، مُساقاً لهما بوجدان صادق، وخُلوص ضمير، شأن كبار النفوس المسؤولين لشعوبهم وبلادهم بالسير بهم إلى الرقي والنهوض". ولكن لم يخر، عزمه، ولا تفرّق جمعه. بل كان بعد ذلك كقطب لذوي الآراء السياسية، والنصائح العمومية بما خُص به من موهة التأثير، والمقدرة على الاستنهاض بتيسير "، وعد يوم إطلاق سراحه بعد إعلان براءته "يوما مشهودا"، و" عنوانًا على الاتحاد العام شعورًا، ووطنية ". ولم يكن الاحتفال الذي استغرق أيام الأسبوع وزانته الخطب والأناشيد الحماسية، والقصائد الفخرية 2 قاصرا على الإفراج عن الزعيم، وإطلاقه ذاتيا فقط
1 – كانت التهمة أنه يزدري بالكتاب والسنّة، ويُحقِّر من ثبتت له الكرامة من الأولياء الصالحين، ويشتمهم. وقامت الشهادة "العادلة" كما تنقل جريدة "الحاضرة" بتجاهره في مجالس متعددة بإبداء أفكار وتقرير أقوال من شأنها الاستخفاف بالدين. وتورد الجريدة أقوالا سمعها الشهود، ومن بينهم: العربي الكبادي (ت 1381 هـ/1961). وبلحسن النجار (ت 1372 هـ / 1952). العريبي: الفكر الإسلامي في نصف قرن م. س.
299 - 298
وقد أشار الفاضل ابن عاشور إلى ذلك، بما يدل على سعة تفتحه وإعجابه بالثعالبي، وقساوة الجهل والتعصب والتحجر فيقول: " وبدأ الناس في استغرابهم شأن هذا الرجل، يلتقطون من كلامه سقطات في مسائل الخلاف بين الصحابة والأولياء، والكرامات، ويشيعونها على وجهها أو على غير وجهها حتى بلغت أسماع كبار الشيوخ الناقمين على التطوّر، فأثارتهم ثورة أدمجت الخلدونية والمنار والثعالبي، وتقدمت دعوة إلى النيابة العمومية، وجرت المرافعات والرعاعُ يترصدون للثعالبي في ذهابه إلى المحكمة ورجوعه يهاجمونه بالسب والأذى، ثم حكم عليه بالسجن، فكان أوّل مظهر لتميّز الحركة الفكرية الجديدة وإقامة الفوارق بينها وبين مناهج التفكير السابقة. وكان ذلك عاملا على تكوين عطف الكثيرين عليه، وتقوي الحركة الإصلاحية به وبنكبته". أركان النهضة الأدبية بتونس. صص 44 - 45
2 - راجع، على سبيل المثال: قصيدة الحدّاد مثلا في حفل تكريم الثعالبي إثر خروجه من السجن، وطالعها:
339