الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٤٠٢الأولى أن يكون "أهل الدين" هؤلاء أحق من قام بدعوى الإصلاح لمكانهم من
الدين.
يقول، منافحا عن المشروع الإصلاحي، وممثلا النزعة السلفية التنويرية خير تمثيل، بما هي رؤية في جمع شتات التفكير الديني، ومسؤولية في الاعتراف بقيمة جميع مكوّناته العقدية والمذهبية: " ولئن سألتهم عما يقصدون من إشهار تلك الحرب العوان، ليقولن إنا حماة الدين، وإنه ليوجب علينا تغيير منكر رأيناه ما لهم لا يُغيّرون ما بين أيديهم من المنكرات؟ بل بالعكس تراهم قائمين عليها ويأمرون بها … ولكن هذه المنكرات الصريحة لا تسوؤهم مثلما يسوؤهم من ينادي بأن الخلاف بين فرق المسلمين يمكن تسويته، وأنهم لوأحسنوا المناظرة لما اختلفوا، وأن تنديد بعض هذه المذاهب ببعض في غير محلة ولا ينبغي الإقرار عليه، وأن من قام بهاته الدعوة وقرع بها أسماعهم، وهي كما رأيت أقصى ما يتمنى المسلمون، لا يكون جزء من هؤلاء العلماء سوى رميه بالاعتزال بل المروق والزيغ والإلحاد. والاستدلال على ذلك لديهم هين، إذ لا يتجاوز حكاية منامة … كما بلي جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، وكما بلي من قبلهما الغزالي بمن لا يصلح أن يكون شراكا لنعله فرموه بالزندقة والإلحاد والكفر والاعتزال، لاعتقادهم وأن الاعتزال منقصة. ويطلقون كل هاته الألفاظ على شخص واحد مع علمهم باختلاف معانيها ولكن حيث كان الباعث على قذفها الغيظ والعداء لا يرون حرجًا في جمعها في كنانة واحدة، إذ جعبة الغضب أوسع من جعبة الحق، ويجرئهم على ذلك مركزهم الذي يجعل كلامهم مقبولا ويأمنون به مناقشة الحساب "2.
وقد
جمال
الدين
الأفغاني (ت 1315 هـ/1897) ومحمد
عبده (ت 1323 هـ / 1905) من الرجال المصلحين الشجعان، الذين مسكوا،
2
1 - راجع قصيدة "حماة الدين". ديوان أغاني الحياة ص 165
-م. صص 244 - 245 / وراجع فصل: السياسة الإسلامية الفرنسية في تونس 1907 - 1915، ضمن: العلماء التونسيون م. س. صص 270 - 276
402