الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٤١٧خاتمة
لا جدال، بعد كلّ ما قدمناه في أنّ الإباضيين الثلاثة كان لهم بالغ الأثر في الثقافة التونسية، وكُلّ بطريقته وبما انصرف إليه اهتمامه. وهو تنوع يؤكد ما في ثقافتنا من ثراء الفكر، وتعدّد المسالك، وتغاير الأساليب والمناهج. أما سالم بن يعقوب، فكان من زمرة المؤرخين الذين أبلى عُمُره في التنقيب والتجميع والتوثيق والنخل والتصويب بما أُتيح له من وسائل، وبما يراه وفاءً لعقيدته ومعتنقيها.
،
وهو، بلاريب اسم بارز في قائمة المؤرخين الإباضيين الجربيين، الذين يُعدّون من أبرز من كتب في التاريخ المحلّي، إن لم نقل أبرزهم على الإطلاق في تونس والذين عبروا عن شدة تعلقهم بموطنهم وتراثه، وأسدوا خدمة جليلة للثقافة الوطنية، حيث حفظوا ذاكرة الجزيرة، وصانوا ذكرها، وحموا ثروتها العلمية، وحرسوا وثائقها التي تُثبت حركتها الدؤوب، محليًّا، ووطنيا وعربيا.
،
،
وما يميز بن يعقوب، أنّه من الإباضيين المتأخرين المعاصرين، الذي نضجت لديهم الروايات والنقول كما ينبغي وتهذبت رؤيتهم العقدية إلى حد كبير. وكانت له مقاربة نقدية هي البديل لما تواتر في عديد المصنفات غير الإباضية.
وكل هذا لا يعني أنه سلم كليًّا مما علق بمصنفات الآخر من التعصب، والميز، فهو كذلك، سكت عن أثر المالكية في تاريخ جربة، وقد لفه لفا، وكان هذا الغائب الأبرز في كتابه.
وأما سعيد ابن تعاريت، فنراه صنو عمر المحجوب (ت 1222 هـ/1807) وإسماعيل التميمي (ت 1248 هـ / 1832) وإبراهيم الرياحي (ت 1266 هـ/1850) من المالكية، الذين دافعوا عن سندهم العقدي التونسي، حينما وجهوا ردودا على رسالة ابن عبدالوهاب (ت 1206 هـ/1792).
فبينما كان هؤلاء يذودون عن حياض الأشعرية، وعقائد التبرك، والتوسل، والزيارة، تصدّى ابن تعاريت المبدعي العقيدة الإباضية ومناوئيها.
417