الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٥٣أساس انتمائهم إلى جربة فأصبح لسكان الجزيرة، على اختلاف مبادئهم المذهبية، وضع الرعية خاصة صدور منشور أحمد باي ت 1272 هـ/1855) س 1258 هـ / 1843، فتبدّلت النظرة إليهم من دينية إلى سياسية. وكان آل بن عياد توخوا سياسة تقوم على تجاوز الاختلافات المذهبية بين سكان جربة، وأعطوا لعامل الانتماء إلى الجزيرة الأولوية السياسية في إدارة شؤون القيادة التي كانوا على رأسها بجربة، خصوصا منذ عهد حمودة باشا (ت 1229 هـ / 1814، حينما وفد أهل جربة عليه بعد استرجاعه للجزيرة س 1209 هـ/1794، وطلبوا منه اعتبارهم "جرابة" لا إباضية خوارج.
وتعاملت سلطة الباب العالي من ناحيتها مع أهل جربة بطريقتين، فأما المقيمون بجربة فقد عاملتهم، إلى تاريخ انتصاب الحماية الفرنسية في تونس على أنهم خوارج، واستمرت على امتداد تلك الفترة توظف عليهم ما يُوظف على غير المسلمين حتى وإن دخلوا الإسلام فيما بعد. وأما غير المقيمين فعاملتهم بمقتضى القانون السلطاني وهو أن كل من يسكن بلادا يكون تحت حكم، نظامها ويطلب منه الامتثال لما تطلبه الحكومة المحلية منه. وبذلك اعتبر الجربيون رعايا عثمانيين لا فرق بينهم وبين غيرهم من الرعايا المقيمين
خارج بلدانهم.
"
ومن جهتهم، لم يُخف الجربيون انتماءهم إلى المذهب الإباضي أثناء تعاملهم مع السلطة المركزية في تونس أو السلطة الإدارية خارج البلاد التونسية إلى حد ق 12 هـ/18 م. وبداية من عهد حمودة باشا وعلى امتداد ق 13 هـ/19 م، لم يعد الجربيون يتعاملون مع السلطة المركزية بتونس على أساس الانتماء إلى المذهب الإباضي بل توخوا خطاب "التقيّة" أو "الكتمان ""، فأصبحوا يخاطبون البايات
1 التقية هي إخفاء الإيمان في مسلك الكتمان وتخالف فيها الإباضية مذهب الصفرية والأزارقة والنجدات، فهم يدعون إلى الخروج على الحكام الجورة. والكتمان، هو المحافظة على الدين بحيث لوأظهر لعطل، وهو عند الإباضية رابع مسالك الدين الأربعة: الظهور - الدفاع - الشراء الكتمان. وهو وضع المسلم مغلوبا،
53