الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٥٤

الحسينيين ك "جرابة " لا إباضية، في حين لم يتخلّوا عن تعاملهم فيما بينهم. على قاعدة الانتماء إلى المذهب الإباضي، وواصل أعيان جربة اشتراط الانتماء إلى المذهب على مستوى سوق العمالة التي كانت بأيديهم، كما واصل الإخباريون من الجربيين خلال ق 13 هـ/ 19 م اتخاذ الخبر المتعلق بالإباضية مركزا لأخبارهم شأنهم في ذلك شأن من سبقهم من أمثالهم في القرون الماضية. ثم إنهم لم يتخلوا عن مميزاتهم في إقامة شعائرهم الدينية، ولم تكن روابط القرابة الدموية وروابط القرابة الأخرى مثل الجوار في ق 13 هـ/19 بالنسبة إليهم سوى روافد هامة مدعمة للانتماء المذهبي مثلما كان الأمر في

القرون السابقة.

ومع دولة الاستقلال، ترسّخ مفهوم "المواطنة" في التعامل مع إباضية جربة، وفي تعامل هؤلاء مع أبناء بلدهم تونس ممن يخالفونهم في مسائل عقدية وفقهية يكاد لا يلتفت إليها في غمرة الحياة اليومية، والمشاغل الوطنية، والقضايا المصيرية وفي خضم تبادل المصالح الاجتماعية والاقتصادية والمنافع العلمية والثقافية.

،

فالجربيون الإباضيون مواطنون تونسيون أصيلون، لا وافدون، وتاريخهم مكون من مكونات البلاد التونسية مثله كمثل تاريخ الحنفية، والمالكية، والأشعرية، عبر القرون في البلاد منح التراث التونسي العريق غناء وتنوعًا

بارزين.

وقد انبنت الدولة التونسية الحديثة بسواعد التونسيين ومواهبهم وعطاءاتهم الفكرية إباضية ومالكية، أشعرية وأحناف ماتريدية، بل لا يُسأل عن نسبة الكفاءات التونسيّة المذهبية ولا تُدْرَى تلك عند رصد الامتياز

ويجيز فيه الإباضية طاعة الحكام الموحدين، وحتى المشركين، مع الاحتفاظ بالإيمان في القلب تقيّة حتى يمكنهم الظهور وإقامة دولة مستقلة. ويهتم الإباضية في مرحلة الكتمان بالإصلاح الداخلي للمجتمع والمحافظة على الدين ويبتعدون عن المجال السياسي. ويعوّض فيه "نظام العزابة" الإمامة الكبرى، فيكون هذا النظام فيه بمثابة مجلس

الشورى في فترة الظهور والعزّة، غير أن السلطة التنفيذية تختلف بين الفترتين. أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص 113 / كوبرلي: م. س. صص 458 - 461 / الجعبيري: نظام العزابة ص 23 / جهلان: التفكير السياسي عند الإباضية ص 247.

54