الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٨

ولكل وطن ثقافته التي تكونت فيه وتكوّن بها، تمتزج فيها الأحداث على خطها الممتد من غابر الأزمنة إلى ما لا يُدرك من الآتي الخفي، وتحتدم الأفكار والمواقف والآراء اتفاقا وافتراقًا، تشابها وتغايرًا، انسجاما وصراعًا. وتتشكل بني المجتمع بأثر تلك الثقافة التي تضهر المجرّد في المعيش اليومي، والديني في المعتاد الدنيوي.

والثقافة الوطنية التونسية كغيرها من الثقافات لها من المكونات والأطوار

،

والروافد ما يفرض على الباحث أن لا يستلّ منها الشتات والمنبت، ويسكت عمّا ينظم ذلك المستخرج في سلك منظوم لا ينفصل بعضه عن بعض، بل الأجدر به أن يؤلف من المتناثر بين صفحات التاريخ والموروث سنَدًا ثقافيا متصلاً، تبرز به المفارق والملاقي والأقارب والأباعد، مندغمة متعاضدة.

والحق أنّ الكلام عن الإباضية التونسيّة مكوّنًا من مكونات ثقافتنا الوطنية شبه معدوم، إذا استثنينا بعض المحاولات التي اكتفت بتوصيف مجتمعها المحلّي، وتأريخ، الحوادث، وترصيف التراجم، وتقديم شهادات الإنصاف والإعجاب والتكفير عن التعصب القديم بشيء من السماحة، ثم تجاوز ذلك إلى استبعاد الخلاف المذهبي وتعويضه بالمعاملة المواطنية. وهذه هي أقصى ما

يُطمح إليه، لتحقيق السلم الاجتماعية والانصراف إلى العمل البناء المشترك. أما البحث في تراث الإباضية البعيد والقريب في الرصيد التونسي، وتفكيكه، وتحليله، وربطه بسائر المكوّنات الأخرى، وتناوله على أنّه مُنتَج ثقافي تونسي، لا تنويعة مذهبية تُصنّف ضمن تراث الأقليات"، فنراها من أهم ما يعبر به التونسي عن اعتزازه بوطنه الجامع، وأثمن ما يؤكد به على أنه لا يحمل في داخله رواسب الميز والحذر، وأسطح برهان على أنه لا يجحد فضل سابقيه أجمعين في الإسهام المعرفي والفكري والنضالي.

بل نرى البحث في هذه المسألة واجبًا علميًّا متأكدًا، قبل أن يكون قيمة عاطفية أو روحيّة، يقتضيها "التسامح" أو "رد الاعتبار" أوما شابه ذلك من التسميات التي تقتضي المزيّة، وتتبطنها مشاعر التعالي وأوهام الكمال التي رسخت في اللاشعور قرونا طوالاً.

إن الإسهام الإباضي، من جربة القديمة والجديدة، ومن غابر عصور الجريد، لهو من الأهمية بمنزلة عالية. وليس من المسؤولية العلمية أن يُفرد إفراد البعير

8