الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٩٤الفواكه، إلا أن هذه أكثر ثمرها وعليها مدار، غلاتها، وغيرها من كرائم
هي
الأرضين لا يقاربها على الجملة في ثمارها، أويساويها، وتفاحها لا يوجد في جميع بقاع الأرض له نظير لما يوجد بها منه صفاء وجفافًا وطيب مذاق وعطارة استنشاق ورائحته توجد من المسافة المديدة والأميال العديدة، وكان من شجره بهذه الجزيرة قبل هذا كثير ثمّ قلّ الآن بسبب أن النصارى يتحفون به ملوكهم وكبارهم دون تعويض لأربابه عنه فرأى أهل الجزيرة أن غيره من الشجر أعود بالفائدة عليهم فقطعوا أكثره.
واختصت هذه الجزيرة أيضًا دون غيرها من البلاد بحسن الأصواف المحمودة الأوصاف التي ليس بإفريقية لما يُنسج من أثوابها نظير، وذلك معلوم من أمرها شهير. وأكثر مساكن أهلها أخصاص من النخيل، يجعل كل واحد منهم في أرضه وأحدًا أو اثنين أو أكثر من ذلك، ثم يسكنه بعياله، وليس بها بناء قائم إلا دور قليلة وهُم ينقسمون إلى فرقتين: فرقة تُعرف بالوهبية، ورئاستهم في بني سمومن، وأرض هذه الفرقة من الجزيرة الجهة الغربية فما والاها من جهة الشمال، وفرقة تُعرف بالنكارة، ورئاستهم في بني عزّون، وأرضهم الجهة الشرقية فما والاها من جهة الجنوب. وكانت مدينة جربة فاصلة بين أرضيهم، وكلا الطائفتين خوارج غلاة في مذهبهم، مكفّرون العصاة على ما هو معروف من مذهب الخوارج لا كمذهب المعتزلة في امتناعهم من إطلاق اسم الكفر على من واقع كبيرة ولم يتُب منها، فإن المعتزلة لا تسميه كافرًا ولا مؤمنا وتسمّيه فاسقا على حكمهم بتخليده في جهنم، وكأن المعتزلة بزعمهم توسطوا في هذا بين مذهب الخوارج ومذهب أهل السنّة. والمتصلّحون منهم لا يماسحون بثيابهم ثياب أحد ممن ليس على مذهبهم، ولا يؤاكلونه في آنية، وإن استسقى عابر سبيل ماء من بعض أبييارهم استخرجوا ماء البئر كله فماحوه، وثياب الجنب فماحوه، وثياب الجنب عندهم لا يقربها طاهر، وثياب طاهر لا يقربها جنب وقد شاهدت منهم من كان على ظهر إذا أجنب غسل ثوبه الذي أجنب فيه يرفعه بعصا أو بمحجن، ثم يلقيه في البحر، فيخضخضه بعصاه ساعة، ثم بعد ذلك يتناوله بيده، ويوجبون على أنفسهم الغسل صباح كل يوم رجالاً أونساء أجنبوا أو لم يجنبوا، ويتوضؤون ثم يتيممون، وقد شاهدتُ هذا منهم كثيرًا، ويشترطون في وضوئهم غسل الأيدي من الأكتاف إلى غير ذلك من آرائهم الواهية، والأفعال التي حكينا
94