الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية
الجزء ١ · صفحة ٩٦في هذه المدة الأخيرة سنة ثمان وثمانين وستمائة بسبب اشتغال ملك الحضرة إذ ذاك رحمه الله ببعض الثائرين عليه فأقمنا كما تقدّم بذلك الموضع من الجزيرة إلى أن عبر جميع عبر جميع الناس إلينا وحصل سائرهم لدينا. ثم انتقلنا عنه يوم الجمعة الثالث والعشرين لجمادى الأخرى عصرًا مقربين لمرحلتنا من الغد إلى حصنها المسمّى بالقشتيل دمّره الله فبتنا تلك الليلة إلى جانب مدينة جربة القديمة حيث كانت قصبة الجزيرة، وهي الآن خلاء لا أنيس فيه، من أصحابنا فجست خلالها وجلت حلالها فرأيتُ بقايا ومشيت مع مدينة صغيرة الصنع مربعة الوضع، ويحدق بها سور مرتفع هوباق إلى الآن، وبداخلها جامع حسن البناء، وقد تخرّب الآن، فليس الباقي إلا آثاره، ورأيت على جهة منه نقشاً لم تصل يد الفناء إليه فوجدته في غاية الاحتفال وحسن الصنعة، ولم يصل أحد منهم بهذا الجامع كراهية لإقامة رسم الإسلام بتلك الجزيرة، لا خوفا من النصارى كما يزعمون وأما الجمعة فتركها أصل في أصولهم لأنهم يشترطون في إقامتها وجود الإمام العدل. وفي آخر المدينة بقايا أطلال القصبة حيث كانت سكنى حافظ البلد، وقد استولى الخراب على جميعها وفي موضعها الآن شجرة عظيمة من السدر المعروف في هذه البلاد بالسدر المصري قد ملأت ذلك المكان، وهذا السدر مخالف لسدر بلادنا هذه، وهو أكبر ثمرًا وأعطر رائحة، وأما الطعم ففيه غثاثة، ورأيت منه بتوزر وما والاها من البلاد شجرًا كثيرًا، وإنما نُسب لمصر لكثرته بها. وكان إلى جانب هذه القصبة حمام صغير هو الآن باق لم يتسلط الخراب على شيئ منه فبتنا إلى جانب هذه المدينة تلك الليلة ثم أصبحنا من الغد مرتحلين فلم نزل نمشي بين نخيل باسقة وثمار متناسقة إلى أن وصلنا موضع القشتيل دمره الله، فرأينا حصنا يهول الناظر إتقانا وحصنًا وهو مربع الشكل، وفي كل ركن منه برج فاثنان منها مستديران واثنان مثمنان وبين كل برجين من هذه في وسط الحائط برج صغير مربع ويدور به فصيل قصير ويدور بجميع ذلك حفر متسع فنزلنا على مقدار ميل منه. ووصل إلينا إذذاك شيخ النكارة وقد كان هو ونظيره من الوهبية فرّا من الجزيرة أول إقبالنا عليها خوفا على أنفسهما، فلما حللنا بها كتب إلينا كتاباً يطلبان الأمان فأسعفا به فوصل النكاري وتأخر وصول الوهبي، فوصل بعده بأيام، ولما اجتمعا تكفّلا باستخلاص ما وضع من الأداء على قومهما وانفصلا ليشتغلا بقبض ذلك من يومهما. واستمرت المحاولة في قتال الحصن المذكور شهرين، كاملين فوجدنا قومًا قد أطالوا للحصار
،
(
96