الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية: مدخل إلى دراسة الآخر المحلي فتحي بوعجيلة [دارس عن الإباضية]

الإباضية التونسيون وأثرهم في الثقافة الوطنية

الجزء ١ · صفحة ٩٧

استعدادهم واستفرغوا في التحرّز جهدهم واجتهادهم، وكانت كثرة الجيش الذي معنا من أعظم الأسباب في الإقلاع عنه لانقطاع الأقوات بتلك الجزيرة وتعذر الميرة إلا في الشيء اليسير الذي لا تحصل به كفاية، فعلمنا أن أخذه يصعب بتلك المحاولة، وإنما يُؤخذ بالحصار والمطاولة، ورأينا أن ننفصل عنه لما كنا بنينا عليه من تهدين البلاد الجريدية وقبض مجابيها، فإذا تم ذلك وعاد الجيش إلى الحضرة عينت له جريدة خيل يبني في أمرها على الاختصار فتوطّن على السكنى هنالك للحصار فكان ذلك. وكان الانتقال من جربة يوم الخميس السادس والعشرين لشعبان فكانت مدة اللإقامة بها من يوم الدخول إليها إلى يوم الخروج منها خمسة وستين يوما … ولما انتقلنا من جربة لم نخرج من المجاز الذي دخلنا منه، بل خرجنا من مجازها المعروف بساحل البر المتصل مقدار ثمانية أميال في البحر أكثرها قصير تقطعه الخيل مشيا وفيه مواضع عميقة لا يمكن السابحات قطعها إلا سبحا فهو مجاز خبيث لا يجوزه إلا عارف به متكرر عليه فاجتزنا نحن أولا في السفن وشرع الناس في الجواز، فأجازت السفن قومًا وأجازت الخيل آخرين مشيا وعوْمًا إلى أن استوفى الجواز جميع الناس وأقمنا بظاهر المجاز خمسة أيام .. "1

ونجد في رحلة التيجاني شذرات متناثرة تدعم ما ذكره هاهنا عن سكان

جربة، ومن ذلك:

/ الزارات: " .. وهي قرية ذات نخل كثير … ومن هذه القرية كان الابتداء بسلوك منازل البربر المستمسكين بمذهب الخوارج المستحلين لدماء المسلمين ودمائهم وهذا المذهب هو الغالب على جميع البقاع التي بين قابس وطرابلس وخصوصا أهل الساحل منهم، فهم بهذا المذهب المذموم يتقربون ببيع من يمر بهم من المسلمين للروم فتجد الناس لأجل ذلك يتحامون الانفراد في قراهم ويتجنبون إيواءهم وقراهم وهم من بقايا الشرذمة الضالة التي قام أبويزيد مخلد بن كيداد في إفريقية، فإنه لما أظفر الله به أرواح البلاد والعباد منه تفرقت أتباعه في الأقطار فسكنت هذه الشرذمة هذه البقاع، وسكنت

1 رحلة التيجاني، صص 126 - 134.

97