دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ١١وكم وقعةٍ مشهورة قد شهدتُها **** يقصر فيها المرء عن فعلاتي
فلا جيش للأعداء إلا هزمته **** ولا قطر إلا جبت بالغزواتِ "1"
وعلى هذا المنوال من الفخر، نجد (البارودي) يحذو حذو (النبهاني) وينهج نهجه في الفخر ببطولاته ومعاركه، بعد أن يتخرج من المدرسة الحربية عام 1884 م، وترسم له شخصيته العسكرية، وخياله الشاعر، صورة الحلم الذي كان يتمناه دائما، صورة ملك متوج على عرش مصر، كواحد من آبائه المماليك، فالنشأة الحربية إذا اجتمعت إلى الشعر والأدب، تثير في النفس روح الخيال، والتطلع إلى أقصى مراتب المجد والعلا، ومن هنا جاءت آمال البارودي، بعيدة الأفق، لا تقف عند حد، حتى بلغت التطلع إلى العرش "2".
وطموحه العسكري يبدو واضحا صارخا، حين تراوده أحلام الملوك، حتى وهو بين يدي الحبيبة في ليلة من ليالي الوصل واللقاء:
وليلةٍ بضياء الكأس لامعةٍ **** أدركتُ باللهو فيها كل مقترحِ
أحييتُها بعدما نام الخليُّ بها **** بغادةٍ لو رأتها الشمسُ لم تلُحِ
فلو تأملتَني والكأس دائرةٌ **** لخِلْتَنِي ملكا يختال من مرحِ "3"
(3) الملمح الثالث: من الملامح التي تشكل شخصيتهما ـ كما تبدو في أشعارهما: ـ
اشتراكهما في الحرص على الملذات، ومباهج الحياة، ومجالس الطرب بما فيها من لهو شراب، وربما بدا هذا الملمح غريبا ومثيرا للإحساس بالتناقض، إذ كيف تلتقي البطولات الحربية، وخوض المعارك الحربية، والشجاعة والاستبسال في القتال … !
كيف يلتقي كل أولئك بالسهرات الصاخبة، والجري وراء الملذات، والطرب والغناء .. ؟
1 ـ هذه الأبيات من قصيدة مطلعها: أيا من لطرف واكف العبرات … إلخ البيت ـ ص 46 من ديوانه
2 ـ مصر المجاهدة في العصر الحديث ـ الحلقة الرابعة ـ ص 76 ـ عبد الرحمن الرافعي.
3 ـ ديوان البارودي ـ ج 1 ـ ص 123