دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ١٢وليس عجيبا توزع حياة هذه الشخصيات الحربية المقاتلة، التي تعيش دائما في ظل أخطار الحرب، وتوقع الموت في كل لحظة … ليس عجيبا توزع هذه الشخصيات بين موجات المجد والبطولة، ودواعي المتعة والهوى، وفي مثل هذه الحالة العجيبة يقول " العقاد " في كتابه: (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي): " وتلك حال ' خليقة ' بأصحاب الطبيعة الحيوية التي تنقاد لدفعة الجسم، وصورة اللحم والدم في ثورة الغضب والنخوة، أو حال ' خليقة ' بالجندي المفطور على الجندية، والشجاع المفعم بالنوازع الفنية، ومن أهمها: الأخذ بالقريب الحاضر، والبعد عن الإطالة والتعمق والاستقصاء، فليس من اللازم اللازب لصاحبها أن يتغلغل في التفكير إلى الدقائق والخفايا، وأن يتوسع في الخيال والفلسفة … ، وإنما اللازم اللازب له، أن يكون عند دعوة الإقدام والفخار والقوة، وعند دعوة المرح والغرام والفتوة … ! " "1"
ولعل خير ما يصور هذه الحالة، التي تمثل حالة نفسية، هي أقرب إلى ازدواج الشخصية في شعر كل منهما، قول النبهاني:
أروح وأغدو بين دن ومسمع **** وبهكنة معشوقة الحركات "2"
إذا ما جلسنا في البساتين غدوة **** على فرش مرفوعة عطرات
فكم جنة في الأرض دان قطوفها **** بها غرفات أيما غرفات
قضينا بها أيامنا بمدامة **** لدى قاصرات الطرف بين سقاة
وحور كأمثال الدُمّاء بَراغزٍ **** يُطرِّبنَنَا بالناي والنغمات "3"
ولكنه في القصيدة نفسها بعد أن قدم لنا صورة لمجلس اللهو والطرب، والخمر والغناء، يقدم لنا الجانب الآخر من شخصيته المولعة بالملذات، حيث نجد الفارس المقاتل مسعر الحرب، وبطل المعارك:
وإني وإن كنت الشروب لمسعر الحروب **** وذو فضل وذو نخوات "4"
1 ـ شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ـ ص 133، ص 134
2 ـ المسمع: المغنى، والبهكنة: السمينة الناعمة (هذه الأبيات من قصيدة مطلعها: أيا من لطرف واكف العبرات **** وقلب كئيب دائم الحسرات ـ ص 46 من ديوانه).
3 ـ " كأمثال الدماء " صوابه كأمثال الدمى، جمع دمية، وقد نبه محقق الديوان وشارحه إلى ذلك الخطأ، و " براغز " جمع برغز ـ وهو ولد المهاة.
4 ـ المرجع السابق ـ القصيدة نفسها، ص 48