دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ١١١ولقد وضعه والده في القسم الداخلي بإحدى المدارس في دولة الإمارات العربية المتحدة، لعدم وجود منزل للأسرة في البلد الذي كانا يقيمان به ..
ومن ثم كان يقضي العام كله بين فصول الدراسة، وكانت إقامته بالقسم الداخلي إقامة أقرب إلى العزلة الحزينة .. حيث لا تكتحل عيناه طوال العام برؤية أمه الحنون، أو رؤية أحد من أهله ..
وسنرى بعد ذلك أن أحزان اغترابه، وهو طفل بدولة الإمارات، كانت أهم الروافد التي أثرت في تجربة الغربة في شعره .. بالإضافة إلى طبيعته الانطوائية القلقة، وقراء ته العديدة من روائع الشعر الرومانتيكي ذي الطابع الهروبي، فقد تأثر تأثرا شديدا ـ كما يقول ـ وكما يتضح في إبداعه الشعري، بشعراء المهجر الأمريكي، وعلى الأخص: تلك القصائد التي تفيض بالقلق والحزن والتأمل، لجبران، وإيليا أبي ماضي، كما تأثر بشعراء رومانتيكيين آخرين كأبي القاسم الشابي والدكتور إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه .. وكلهم من أعلام الشعر الرومانتيكي العربي الحديث .. ولعل أهم شاعرين معاصرين أثرا فيه تأثيرا شديدا، هما: عمر أبو ريشة، ونزار قباني ـ الذي يسميه (شاعر القرن العشرين) ..
ولكن هذه المؤثرات الرومانسية لم تنفرد بشخصية ذلك الشاب، فقد أتيحت له في المرحلتين: الإعدادية والثانوية، بعض القراء ات التراثية التي كان لها أيضا تأثيرها في إبداعه الشعري، وهو يعترف في مذكراته، بأن أول ديوان شعر قد امتلكه، كان ديوان عنترة بن شداد، وقد قرأه مرات عديدة وهو في الصف الثاني الإعدادي، وحفظ معظم قصائده عن ظهر قلب، كما حفظ الكثير من أبيات المعلقات، وعشق شعر المتنبي ـ حسب تعبيره ـ عشقا شديدا، وحفظ المئات من حكمه الشعرية، ولا عجب إذن إذا وجدنا أن ظاهرة المعارضات التراثية من أبرز الظواهر الفنية في شعر (عاصم السعيدي).