دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ١١٢

نحن ـ إذن ـ أمام اتجاه شعري مميز، تلغى فيه الحدود بين المذاهب الأدبية، ويلتقي في نهره أكثر من رافد ومنبع، وأكثر من تيار واتجاه، و

يمكن أن نوجز هذا اللون من الشاعرية الذي يصادفنا أحيانا في الشعر العربي الحديث، والذي يصادفنا أيضا في شعر الطالب (عاصم السعيدي) بأنه مزيج متكامل من التراثية والرومانسية، حيث تلتقي المعارضات التراثية المتأثرة بروائع الثراث، بالرؤية الرومانسية الهروبية للكون والوجود والحياة .. ولنبدأ بظاهرة: ـ

(أ) المعارضات التراثية: ـ

من الطبيعي لشاعر يبدأ مسيرته الشعرية، أن يبحث في أعماق نفسه، وفي البيئة الثقافية من حوله، وعبر قراء اته المستمرة في الشعر قديمه وحديثه، عن النموذج الشعري المفضل لديه، أو لنقل: عن المثل الشعري الأعلى الذي يأسر لبه ووجدانه حين يقترب من عالمه، وما من شاعر في الماضي أوالحاضر إلا وكان له أب روحي هام بشعره، وتتلمذ عليه، أو ـ على الأقل ـ تأثر به في مرحلة ما من مراحل إبداعه .. ولا تصدقوا خرافة: (جيل .. بلا آباء) و (جيل بلا أساتذة) لا يصدق ذلك على الشعراء القدامى فقط، بل يصدق أيضا على شعراء الحداثة المعاصرين، وهاهو ذا الشاعر صلاح عبد الصبور ـ أحد رواد التجديد المعاصر ـ يعترف بذلك قائلا "1":

" وقد حاكيت الشعر أول ما حاولته محاكاة للنماذج التي أحببتها، وعندي قدر لا بأس به حاكيت فيه المتنبي، وقدر آخر حاكيت فيه أبا العلاء، ثم قدر آخر حاكيت فيه بعض الشعراء المعاصرين كإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل، ولكن رغم إعجابي بهؤلاء الشعراء الأربعة، توقفت فترة من الزمن، لأسأل نفسي: ما الشعر؟ وقد وجدت أن كلا منهم قد أجاب على جانب من سؤالي، وكان توقفي إثر قراءة بعض النماذج فقد قرأت


1 ـ مجلة الآداب (البيروتية) عدد مارس 1966، ص 8

١١٢ / ١٣٢