دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ١٣

وهو لا يحب من يحصي عليه عثراته وزلاته، بل يحب من يغضي عينيه عن هذه العثرات:

أحب من الندمان كل مُطرِّبٍ **** وكل غضيض الطرف عن عثراتي "1"

وهو هنا يقترب من البارودي الذي لا يطيق الحلم والحلماء، والوقار وأهله في مجالس اللهو والشراب، وذلك إذ يقول:

ودعني من ذكر الوقار فإنني **** على سَرفٍ من بغضة الحلماءِ "2"

وقد عاش البارودي أيضا كما عاش النبهاني، حياة مترفة عندما ابتسم له الحظ، فجعله في معية " إسماعيل " فأقام في حلوان، وأرخى لشبابه العنان، فعرف الشراب ومجالسه، والغواني وفتنتهن، والطرب والموسيقا والغناء، وقال في هذه الأغراض جميعا، فما تكاد قصيدة من قصائده تخلو منها "3"، ومن ثم فإننا نجد في شعره، قصائد يتغنى فيها بسعادته في ظل هذه الحياة … حياة اللهو والملذات، وليالي الطرب الطرب والغناء، ومن ذلك قوله:

ألا رب يوم كان تاريخ صبوة **** مضى … غير إثر في مخيلة أو ذكر

عصيت بها سلطان حلمي وقادني **** إلى اللهو شيطان الخلاعة والسكر "4"

وحتى … وهو في أيام الشيخوخة … والعجز … لم يتخل عن حبه لهذه الملذات .. إنه في قصيدة من قصائده التي يتحسر فيها عن ذكريات الشباب، يصرخ صرخة الحزن والتياع، إذ يقول "5":

وكيف تلذ بعد الشيب نفسي **** وفي اللذات إن سنحت عذابي

أصد عن النعيم صدود عجز **** وأظهر سلوة والقلب صابي

ثم يتبع هذه الصرخة بصرخة أخرى … متحسرا على الشباب:

فيا لك من زمان عشت فيه **** نديم الراح والهيف الكعاب

تحول ظله عني وأذكى **** بقلبي لوعة مثل الشهاب "6"


1 ـ القصيدة نفسها ـ ص 48 من ديوانه

2 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 70

3 ـ ديوان البارودي ـ مقدمة الدكتور هيكل، ص 18

4 ـ المرجع السابق ج 2، ص 7

5 ـ المرجع السابق ج 2، ص 26

6 ـ المرجع السابق، ص 53

١٣ / ١٣٢