دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ١٤(4) أما الملمح الرابع والأخير الذي تلتقي في هذه الشخصيتان فهو: سطحية فهمهما للتدين، فالنبهاني في إحدى قصائده ـ مثلا ـ يفتخر بأنه حامي الدين، وأن حياة الدين والعلم والتقوى رهن بحياته ـ على حد قوله:
تُناطُ حياة الدين والعلم والتقوى **** وعِزُّ عُمانٍ كلها بحياتي "1"
ويفتخر أيضا بأن مجالسه مجالس علم وتقوى، تتحدث عن فضل النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه والتابعين أهل البركات … هذا جميل … ولكنه عقب ذلك مباشرة، يصور أثر الراح في نفوسهم وما تثيره من مرح وبهجة ..
هذا ما نراه حين نقرأ هذه الأبيات له يصف ندمانه ومجالسهم "2":
تَحدَّثُوا عن فضل النبي وصحبه **** وعن تابعيهم معشر البركاتِ
ويحكون عن قيس وزيد ودغفل **** أحاديث صدق تذهب الكرباتِ "3"
وقد بعث الراح العتيق سرورهم **** فأنفسهم مرتاحة بهِجاتِ
ولعل من الملامح التي تدل على ميله ـ نادرا ـ إلى الظرف والدعابة، أنه في إحدى قصائده، يتوجه إلى المولى سبحانه وتعالى بالدعاء، مبتهلا ضارعا، ليفرج كربته، فيظن المرء أنه أمام محنة شديدة، تجعل الأرض على سعتها تضيق به، وإذا بنا بعد ذلك نكتشف أن ابتهاله إلى الله … لا من أجل ما نظن … وإنما ليبلغه ما يرتجي في الهوى، وذلك حين يقول "4":
سألت ذات العرش الذي لم يُحْرِج **** فارِجَ كل كربة لم تُفرجِ "5"
أن يبلغني في الهوى ما أرتجي **** من لثْمِ خَدِّ (رايةَ) المضَرّجِ "6"
ورشْفِ ظلم ثغرها المفَلَّجِ … إلخ
1 ـ ديوان النبهاني، ص 53 من قصيدة مطلعها:
أيا من لطرف واكف العبرات **** وقلب كئيب دائم الحسرات
2 ـ
3 ـ قيس: قيس بن الملوح و (زيد) لعله ـ كما قال محقق الديوان: الإمام جابر بين زيد، و (دغفل) يعني: دغفل النسابة، وهو ابن حنظلة الشيباني، (انظر: هامش ص 48 من الديوان).
4 ـ المرجع السابق ـ من قصيدة مطلعها:
" راية … يا ذات الخِبا والهودجِ **** وربة الطوقِ وذات الدَّملجِ "
ص 58 من الديوان.
5 ـ لم يحرج: لم يوقع في الحرج.
6 ـ المضرج: أي خدها الوردي، كأنما خضت بالدم