دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ١٥ترى … هل توحي هذه الصور، بموقف ازدواجي تعاني فيه شخصيته، ما يشبه تمزقا بين موجبات المجد والعلا من جهة، ودواعي اللهو والمتعة من جهة أخرى؟ تمزقا بين السيف والوردة، والواقع والحلم … !
أم تراها توحي بروح فكاهية ساخرة تكمن وراء جهامته الظاهرة … روح الشاعر الإنسان المطلة من وراء لظى الحرب المحاصرة بصلصلة السيوف، وغبار المعارك؟.
وإذا رجعنا مرة أخرى إلى شبيهه (البارودي) سنجد سطحية التدين بما توحيه أيضا من ازدواجية الموقف الحياتي، وروح الدعابة الساخرة، فلا مانع عند البارودي أيضا من أن يذهب للصلاة عند سماع الأذان، ثم يخرج بعد ذلك مباشرة متوجها إلى مجلس شراب ولهو، فما دام قد أدى واجب الدين ـ كما يتصور ـ فلا جناح عليه إذا ذهب عقب أدائه الصلاة إلى مراتع المتعة والملذات … إلى متاهات اللهو والقصف … بين الجزيرة والنهر، وذلك إذ يقول "1":
ونادى المنادي للصلاة بسحرة **** فأحيا الورى من بعد طي إلى نشر
فبادر لميقات الصلاة ومل بنا **** إلى القصف ما بين الجزيرة والنهر
إذا ما قضينا واجب الدين حقه **** فليس علينا في الخلاعة من وزر
إلا رب يوم كان تاريخ صبوة **** مضى غير إثر في المخيلة أو ذكر
عصيت به سلطان حلمي وقادني **** إلى اللهو سلطان الخلاعة والسكر … !
ولنستمع إليه مرة أخرى يقول في حديثه عن مجلس شراب "2":
فهاتِ وخُذْ واشرب ودر واسق **** وارتجع إلى الدور من بَدْءِ على الندماءِ
ودعني من ذكر الوقارِ فإنني **** على سَرَفٍ من بغضةِ الحلماءِ
فما العيشُ إلا ساعةٌ سوف تنقضي **** وذا الدهر فينا مولعٌ برِماءِ
وبقي علينا بعد ذلك أن نشير إلى أن هذا الموقف الانشطاري، أو الازدواجي من الدين، موقف ـ كما قلت ـ يدل على سطحية أو سذاجة في فهم حقيقة الدين، ذلك لأن الإسلام ليس مجرد شعائر وعبادات، وصلاة
1 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 7
2 ـ المرجع السابق ج 1 ـ ص 26 ـ من قصيدة مطلعها
أَلاَ عاطِنِيها بِنْتَ كَرْمٍ تَزَوَّجَتْ **** عَلَى نَغَماتِ الْعُودِ بِابْنِ سَمَاءِ