دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ١٧

نفسها (أعني ظاهرة الغزل الحسي في شعر النبهاني) تتكرر مرة أخرى في شعر (البارودي) ففي جانب من غزلياته يبدو هذا الطابع الحسي المادي، القائم على التصوير المثير لمفاتن المرأة الحسية، وتعدد المحبوبات، ولعل اكثاره من ذكر مغامراته التعددية في هذه الغزليات الحسية، كان دافعا لمقدم ديوانه، وهو الدكتور محمد حسين هيكل، لاتهامه بانعدام الصدق الفني في غزله، وأنه ما هو إلا مقلد للأقدمين في هذا المجال "1"

ولكنني في هذه الدراسة، لا أريد أن أتناول هذا التيار الحسي في غزل الشاعرين، وإنما أريد أن أشير إلى تيار آخر في غزلهما، ألا وهو التيار العذري الذي لم ينل اهتماما من النقاد الذين تناولوهما، وقد رأيت ما كتب عنهما، يصنف قصائدهما الغزلية في إطار الغزل الحسي فقط، ولا يشير إلى تيار آخر ماثل في غزلهما، ألا وهو: تيار الغزل العذري، وإن كان هذا الأخير أقل ظهورا من التيار الأول، ولكنه موجود في عدد من القصائد الرائعة في شعرهما، وسأقصر حديثي عن ذلك التيار ـ وليس من الصعب أن نجد أمثلة لهذا التيار في شعر (النبهاني) و (البارودي) ففي شعرهما أمثلة عديدة تؤكد وجود تيار الغزل العذري بظواهره النفسية والفنية المتميزة:

فالنبهاني يصرح بحبه العذري حين يقول في قصيدة من قصائده "2":

دعاني الهوى العذري بالقسم موهنا **** لبرق تنشت من عمان سحائبهُ "3"

فأرَّقني والخالي البال هاجعٌ **** فبتُّ له حتى الصباح أراقبهُ "4"

ومرة أخرى نراه يصرح بأن هواه هوى عذري، وذلك إذ يقول في قصيدة أخرى "5"

رُفِعتْ على العشاق رايتيَ التي **** كنفت بعذري الهوى المتجردِ

أعطيتُ مِقوديَ الغرام ولم أكن **** أُعطي الغرامَ قُبيلَ رايةَ مقودي

قد يطفئ الماء السعيرَ ومهجتي **** أبدا بفيض مدامعي لم تبردِ .. !


1 ـ انظر هذه المقدمة ص 18، ص 19 من ديوان البارودي

2 ـ ديوان النبهاني ـ ص 35

3 ـ هذا البيت هو مطلع قصيدة

4 ـ القسم: جزيرة بالخليج العربي كانت تسمى قديما كلوان، تنشت: يريد: تنشأت، أي: نشأت، فسهل الهمزة، فصارت: تنشئت (أنظرها هامش ص 35)

5 ـ من قصيدة

١٧ / ١٣٢