دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ١٨ومرة ثالثة يصرح بهذا الهوى العذري، في قوله متحدثا عن " راية " التي استأثر اسمها بكثير من قصائده الغزلية:
وبُحْتُ بسري في الغرام وعادني **** هوى عُذْرَوِيٌّ فاضحٌ يهتك السِّتْرا "1"
ومن الخطأ الكبير محاولة إطلاق أحكام تعميمية في مجال النقد الأدبي، ومحاولة تصنيف شاعر في اتجاه واحد يحاصر فنه، فالفنون لا تعرف الخط المستقيم دائما، والشاعر أو الفنان … كلاهما كالطبيعة .. كالنهر يلتوي بين الأدغال .. ! وينثني هنا وهناك .. تارة … ، ويستقيم تارة أخرى .. ! والنبهاني دليل صدق على ما نقول .. فمن الخطأ أن نقول: إن (النبهاني) أغرق فنه الشعري في الماديات الحسية لغزليات امرئ القيس … كلا بل إن له قصائد رائعة في الغزل العذري، وهي قصائد تفيض بالحزن والألم، والدموع والبكاء، والذل والخضوع، والطلليات الباكية، والعفة والبراءة .. ! وهذه السمات هي أهم خصائص الغزل العذري الذي يدور حول المعاني الآتية: ـ
(أ) التمتع بالألم وتعذيب النفس، وفي ذلك يقول الدكتور صادق جلال العظم في دراسة له عن الغزل العذري "2": " ولا تخلو ظاهرة الحب العذري من خصائص (السادوماسوكية) من حيث أنه يميل ميلا شديدا إلى تعذيب النفس والغير (أي الحبيب) بدون مبرر واضح أو غاية محددة، وإنما لمجرد الاستمتاع والتلذذ بالألم والعذاب، باعتبارهما جزء ا لا يتجزأ من عنف التجربة الغرامية العذرية، وشدة انفعالاتها ".
(ب) الحديث عن الموت والجنون: فالعاشق العذري يتوق إلى الموت، ويحن إليه باعتباره الحائل المطلق بينه وبين المعشوقة، ولرغبته في الألم والشقاء اللذين يرافقان في كثير من الأحيان أعمال التضحية والعطاء "3".
1 ـ من قصيدة مطلعها:
" لراية وجه يكسف الشمس والبدرا **** ولدنُ قوام يخجلُ الصَّعدةَ السمرا "
ص 120 من ديوانه.
2 ـ في الحب والحب العذري ص 104
3 ـ راجع: في الحب والحب العذري ص 104