دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٢٠ولنتأمل … هذا المتجبر الفاتك بأعدائه، وهو يذِلّ ويتوسل، ويخضع ويرق أمام سطوة الجمال، حين يصور خضوعه ل " رَايَة "، وتوسله لها باكيا "1":
والله لو حلّ الغرامُ بجلمد **** لتصدعت فلقا قلوب الجلمدِ
رفعت على العشاق رايتيَ التي **** كُنفت بعذرِيّ الهوى المتجردِ
أعطيتُ مقوديَ الغرامَ ولم أكن **** أُعطي الغرامَ قُبيلَ رايةَ مقودِي
من لي برايةَ أن ترقَّ لعاشق **** حلف الصبابة ساهراً لم يرقُدِ
وَلعلَّ رَاية أن تَذكَّر ما مضى **** فَتجودَ لي بتَعطُّفٍ وتودُّدِ
ما ضرَّ رَاية لوْ رنتْ ليَ لحظةً **** ممَّا أكابدُ من غرامِ مُكمدِ
يا رَايَ هل لكِ في وصال متّيمٍ **** دَنف إذا رقَد الورَى لم يرقدِ
فهوَاكَ سَفَّة فِيه كلُّ مُسَفَّهٍ **** رَأياً وفنَّد فيه كلُّ مُفنّدِ
وما أكثر هذه البكائيات المتوسلة في غزله العذري … ولكن العجيب أيضا أن نلمح هنا الظاهرة الازدواجية التي لمحناها قبل ذلك في مواطن أخرى، تتكرر مرة أخرى في غزله العذري، حين نراه يحرص في معظم العذريات على اقتران بكائياته وتوسلاته، بالفخر الشامخ بسطوته وجبروته، فهو يقدم لنا ـ مثلا ـ عقب الأبيات السابقة، فخرا بقوته ونفوذه، وعراقة نسبه، وروعة أمجاده، حين يقول "2":
فتصفّحي الأملاكَ هل من مالكِ **** غيري تفرَّد بالعُلى والسُّودَدِ
أنا سيدُ الأملاك بعدَ مُظفّرِ **** جدّي وبعد أبي الهُمامِ الأمجدِ
ألأفْخرُ ابن الأفخرينَ من الورى **** والسيدُ ابنُ السَيد ابن السيدِ
عِزاً يُقلقلُ كلَّ رَاسٍ راسبٍ **** ويذلُ كلَّ قَريع قَوم أصيدِ "3"
منْ معشرٍ سَنتْ لهُم آباؤُهمْ **** فعل الجميلِ وتركَ ما لمْ يُحمَدِ "4"
1 ـ ص 87 من الديوان، من قصيدة مطلعها: يا دار رَايةَ في صوىً والأجرَدِ … إلخ البيت
2 ـ المرجع السابق ص 87، 88 وقد سبق ذكر مطلع القصيدة التي اخترنا منها هذه الأبيات
3 ـ قريع القوم: سيدهم
4 ـ وانظر هذا المزج بين الظاهرة العذرية، وظاهرة الفخر، في قصائد أخرى له ص 22، 28، 38، 41 من ديوانه