دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٢١وهكذا نرى قصيدة الغزل العذري عنده، تتخذ لنا منهجا يعتمد على اقتران الغزل بالفخر، وهو منهج تراثي نراه واضحا في الغزليات العذرية عند (عنترة) في العصر الجاهلي، وعند (أبي فراس) في العصر العباسي، حيث نلمح بكائيات الشاعر المتيم، وأحزانه الفياضة، وتوسله وخضوعه، نجد كل أولئك، مقترنا بالفخر بالبطولات والمعارك، والأمجاد والقوة، إنه غزل الفروسية النبيلة، وفي تحليل هذه الفروسية، يقول الدكتور محمد غنيمي هلال "1":
" وفي أدب الفروسية هذا، نجد البأس والجلد والمثابرة، والحمية، متجاورة مع الدماثة والرقة والخضوع والذلة لسلطان العاطفة، والجانبان لا يتناقضان في نفس الفارس، ولكن يتكاملان، وهذا هو الأعم الأغلب في روح الفروسية في الآداب العالمية ".
وكأن الشاعر الفارس حين يقترن الفخر بالغزل، يقدم بين يدي المرأة، وثائق أخلاقية تدل على جدارته بحبها، وبراهين من الواقع والقيم والمبادئ، تزيد من قيمته المعنوية أمام من يتمنى توثيق علاقته الروحية بها.
ومرة أخرى نعود إلى شبيه (النبهاني) ورفيقه في هذه الدراسة، وهو (البارودي) فماذا نجد عنده من الغزل العذري؟
لقد عاش (البارودي) في شبابه حياة مترفة عندما ابتسم له الحظ، فجعله في معية " الخديوي إسماعيل " فأقام في (حلوان) وأرخى لشبابه العنان، فعرف الشراب ومجالسه، والغواني وفتنتهن، والطرب والموسيقى والغناء، وقال في هذه الأغراض جميعا، فما تكاد قصيدة من قصائده تخلو منها "2"
ومن هنا .. يمكن أن ندرك سر غزله الحسي المتعدد، الذي تكثر مغامراته بين روضة المقياس، وحلوان، والجيزة، وشبرا، مما يجعله أحيانا يبدو في صورة (دون جوان) عصر البعث، وقد ساعد على إغراقه في الحب الحسي بالإضافة إلى حياته المترفة، سطحية فهمه للتدين ـ كما أوضحنا سابقا ـ.
1 ـ المدخل إلى النقد الأدبي الحديث، ص 23
2 ـ ديوان البارودي ج 1 ـ تقديم الدكتور محمد حسين هيكل للديوان 18