دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٢٢وأغلب الظن أن ثقافته التراثية العميقة، وهي تقترب كثيرا من الثقافة التراثية العميقة عند (النبهاني)، قد لونت غزله الحسي بظلال من القديم، فجاءت لوحاته الغزلية تضم فتيات من المقياس وحلوان وشبرا، يتخطرن في ثياب ليلى وعفراء ولبنى وبثينة، ويتجملن بحلي الماضي، وتنأى خصورهن عن أردافهن … إلخ تلك الصورة الجمالية التي برزت فيها الفتاة العربية في التراث العربي "1".
وهذا المفهوم الحسي للغزل يبدو كثيرا في غزل (البارودي) وهو مفهوم ـ كما سبق أن أشرنا ـ يقوم على التعددية لا الواحدية، ويسمح للشاعر أن ينتقل في غزلياته بين امرأة وأخرى، ومن ثم رأينا بعض النقاد يشكك في صدق عاطفة (البارودي) في الغزل، ويرى أنه مجرد تقليد للقدامى، ففي كثير من قصائده أيام الشباب، نرى تداول هذه الصورة: " خمر وغزل وفخر "، ويقول الدكتور محمد حسين هيكل في تقديمه لديوان البارودي، متحدثا عن ذلك "2":
" ولا ريب في أنه كان يحس ما يقوله في هذه الأغراض جميعا، لكن الذي لا ريب فيه أن الحب لم يفتن يوما لبه، وأن الخمر لم تذهب يوما بعقله، فأما الفخر فكان يعبر عن أمانيه الخفية، وآماله المكظومة .. ! "
ولعل الشاعر نفسه، قد قدم لهؤلاء النقاد دليلا على صدق رأيهم، حين صور في شعر شبابه، تعدد مجلس لهوه، وسهراته الصاخبة، وأشار في غزلياته إلى غرامه بأكثر من فتاة، والتعدد في هذا المجال حليف الحسية المادية العابرة، بينما الوحدانية قرينة العاطفة الصادقة … إن الفيلسوف الشاعر (ابن حزم) يقرر أن كل من يزعم أنه يحب اثنين، ويعشق شخصين متغايرين، فقد اختلطت عليه المحبة بالشهوة، والشهوة لا تسمى حبا على التحقيق، بل على المجاز فقط "3".
1 ـ انظر: الغزل في الشعر العربي الحديث، ص 102، 103
2 ـ ديوان البارودي ـ المقدمة ـ ص 19 ومابعدها
3 ـ راجع كتاب " ابن حزم الأندلسي " ص 242 للدكتور / زكريا إبراهيم