دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ٢٣

ولعنا نجد ردا على ابن حزم يبرر ظاهرة التعدد، حين نقرأ ما يقوله (موليير) في المشهد الثاني من الفصل الاول، من مسرحية (دون جوان) … يقول (موليير) "1":

" إن الدون جوان لا يؤمن استمرار حبه لواحدة، لأن ذلك سيقتل فيه منذ الشباب، نزعة التطلع إلى أنواع عديدة من الجمال، والوفاء للمحبوبة مقبرة للنفس، وافتتان (الدون جوان) بحبيبة ما، لا يلغي حقه في الافتتان بأخريات وأخريات، لأن تقيده بأول حب، معناه: رفض العالم، وعدم النظر إلى أي إنسان آخر في الدنيا، معناه أن يدفن نفسه إلى الأبد في حب واحد، يقتل فيه منذ الشباب كل ميل في الاستجابة لأنواع الجمال المختلفة التي يراها، والثبات على حب واحد لا يناسب إلا البسطاء والحمقى، لأن من حق كل امرأة جميلة أن تفتننا .. ".

على أن هذا المفهوم الحسي المتعدد لم يسيطر دائما على غزل (البارودي) ففي بعض قصائده الغزلية، نراه يعبر عن حبه تعبيرا روحيا أقرب للعذرية، والبارودي نفسه يربط هذه التجربة العاطفية بالأخلاق النبيلة العفيفة، حين يقول "2":

والعشقُ مكرمةٌ إذ عف الفتى **** عما يهيم به الغويُّ الأصورُ "3"

يقوى به قلب الجبانِ ويرعوِي **** طمع الحريصِ .. ويخضع المتكبرُ

ويجدر بنا هنا أن نشير إلى رأي ناقد معاصر، يعارض رأي بعض النقاد الذين يرون انعدام الصدق في غزل (البارودي)، وهذا الناقد هو الدكتور علي الحديدي، الذي يعارض دعوى سطحية هذه العاطفة عند (البارودي)، وينفي أنه كان مقلدا في غزله، ويرى أنه كان في أكثر حبه وغزله عفيفا، ولذلك فهو يعارض رأي الدكتور هيكل السابق، الذي ينفي الحب الصادق عن البارودي، وقد برهن الدكتور علي الحديدي على بطلان ذلك الرأي، بأن


1 ـ مسرحية " دون جوان " بتصرف ـ نقلا عن كتاب " في الحب العذري " ص 46، للدكتور / صادق جلال العظم.

2 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 20

3 ـ الأصور: صفة من الصور (بوزن الفرح) وهو الميل، والمراد بالأصور: المنحرف عن الهدى والرشاد.

٢٣ / ١٣٢