دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ٢٤

حياة البارودي كانت مليئة بدواعي الغرام في قصور الخديوي إسماعيل، كما أن الشاعر نفسه، صرح في مقدمة ديوانه بأنه أحب "1".

ومن قصائده التي يبدو فيها غزله العذري: قصيدة مطلعها:

أبى الشوق إلا أن يحن ضمير **** وكل مشوق بالحنين جدير "2"

وكما في قصيدته التي مطلعها:

صلة الخيال على البعاد لقاء **** لو كان يملك عيني الإغفاء "3"

إن البارودي في هذه القصيدة يعارض قصيدة (المتنبي) التي مطلعها:

أَمِنَ ازديارَكِ في الدجى الرقباءُ **** إذ حيث كنتِ من الظلام ضياءُ "4"

والمتنبي في هذه القصيدة يمدح الكاتب (أبا علي الأوراجي) ولكن (البارودي) يبدأ قصيدته بالنسيب، بعيدا عن فخر المتنبي ومدحه، ويستمر في هذا النسيب إلى آخر بيت، ويتدفق في غزله العذري الحزين، في رقة وانسياب بعيدين عن تكلف المتنبي وتعقيده المعنى، فبينما يقول (المتنبي) معبرا عن عذابه في الحب:

أسفي على أسفي الذي دلهتِني **** عن علمهِ فبه عليَّ خفاءُ

وَشَكِيّتي فَقْدُ السّقامِ لأنّهُ **** قَدْ كانَ لمّا كانَ لي أعضاءُ

بينما يقول المتنبي ذلك، نجد البارودي بعاطفيته المتدفقة، يعبر عن المعنى نفسه، فيقول:

أغْرَيْتِ لَحْظِكِ بالفؤادِ فشَفَّهُ **** ومن العيون على النفوس بلاءُ

هِيَ نَظْرَةٌ فامْنُنْ عَلَيَّ بِأُخْتِها **** فالْخَمْرُ مِنْ أَلَمِ الْخُمارِ شِفَاءُ

أَنا مِنْكَ مَطْوِيُّ الفُؤَادِ علَى جَوى **** لَوْلاَ الدُّمُوعُ ذَكَتْ بهِ الحَوْبَاءُ

لا أَنْتَ تَرْحَمُنِي ولا نارُ الهَوَى **** تَخْبُو وَلاَ للنَّفْسِ عَنْكَ عَزاءُ

فانْظُرْ إِليَّ تَجِدْ خَيالَةَ صُورَةٍ **** لم يَبْقَ فيها للحياةِ دمَاءُ


1 ـ راجع: محمود سامي البارودي ـ ص 66 ـ 70 ـ للدكتور / علي الحديدي

2 ـ ديوان البارودي ج 2، ص 18

3 ـ المرجع السابق ج 1، ص 11

4 ـ ديوان أبي الطيب المتنبي، ص 114، طبعة لجنة التأليف والترجمة، والنشر بالقاهرة سنة 1944 م

٢٤ / ١٣٢