دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس
الجزء ١ · صفحة ٢٥رقت لي الورقاءُ في عذباتها **** وبكت عليَّ بدمعها الأنداءُ
وتحدثت رسل النسيم بلوعتي **** فبكل غصن نحوها إصغاءُ "1"
وواضح أن البارودي، وإن تأثر في قوله:
فانظر إليَّ تجد خيالة صورة … إلخ البيت
ببيتي المتنبي السابقين، إلا أنه أتى بالمعنى في إطار عاطفي رقيق مؤثر، يختلف كثيرا عن ذلك الإطار الذهني المتكلف الذي صب فيه المتنبي معناه، وإنه لتكلف واضح ألاَّ يعلم المتنبي لشدة غرامه، بالحزن الذي يعانيه لفراق المحبوب، فهو يأسف على الأسف الذي ذُهِلَ عنه، وهو يشكو فقد المرض، الذي كان يحدث بسبب الحب، لأن الغرام أفقده كل أعضاء جسمه، فلم يعد فيه ما يمرض ويعتل، والمبالغة هنا فاقعة .. وغير مستساغة .. !
كما نرى (البارودي) يفتخر في تجربته العذرية بعفته وحيائه، وذلك في قصيدته التي مطلعها:
غادِ النَّدَى بِالْجِيزَةِ الفَيْحَاءِ **** واحْدُ الصَّبُوحَ بِنَغْمَةِ الوَرْقَاءِ "2"
وكذلك يمتزج غزله العذري الحزين ـ عندما كان في المنفى بوطنيته الصادقة، فيفيض باللوعة والحنين، والشوق إلى الديار، ولعل هذا يوضح ازدواج الحالة النفسية في قصائده الغزلية الوطنية في " سرنديب "، ففي الأبيات التالية يتحدث عن حبيبته، وهي في أتم زينتها لعاشق سعيد، فيقول "3":
مرَّتْ علينا تهادى في صواحبها **** كالبدر في هالة حفّتْ به الشُّهُبُ
تَهْتَزُّ مِنْ فَرْعِها الْفَيْنَانِ في سرَقٍ **** كَسَمْهَرِيٍّ لهُ مِنْ سَوْسَنٍ عَذَبُ "4"
كَأَنَّ غُرَّتَهَا مِنْ تَحْتِ طُرَّتِها **** فَجْرٌ بِجَانِحَةِ الظَّلْمَاءِ مُنْتَقِبُ "5"
1 ـ ديوان البارودي ج 1، ص 11
2 ـ المرجع السابق، ص 18
3 ـ المرجع السابق ج 1، ص 64
4 ـ الفرع: الشعر التام
5 ـ جانحة: اسم فاعل، من جنح الليل إذا مال بذهابه