دراسات في الشعر العماني سعد دعبيس

دراسات في الشعر العماني لسعد دعبيس

الجزء ١ · صفحة ٢٧

إننا في هذه الدراسة أمام شاعرين رائدين، قام كل منهما بدور متميز في الحفاظ على نقاء اللغة الشعرية في عصره، فالعصر الذي عاش فيه (النبهاني) كان عصر انحطاط فني، وضعف تعبيري، إنه العصر الذي سيطر فيه تيار الشعر التقليدي بمبالغاته، وإغراقه في المحسنات البديعية ـ على النحو الذي نلقاه في شعر (الكيزاوي) و (الستالي) "1"، وظاهرة بروز شاعر يستوعب المعجم اللغوي في عصر نقاء اللغة من الشوائب، وأعني به: معجم العصر الجاهلي، وما راق وعذب من معجم العصرين الأموي والعباسي، ظاهرة استيعاب شاعر لمئات المفردات من غريب اللغة، وحسن استخدامها في بنائه الشعري، بحيث نلمح روعة المعنى مع قوة المبنى، وانسجام هذه الغرائب اللفظية، مع النسيج الفكري والتعبيري، وعدم ظهورها في النص الشعري كنتوء بارز، يوقف انسياب التذوق الفني … هذا في حد ذاته إبداع فني لا يقدر عليه إلا شاعر موهوب متمكن من فنه .. ! فليست المشكلة مجرد إتيانك بغريب اللغة، ولكن المشكلة كيف تجعل هذا الغريب اللغوي جزء ا من حياتك الشاعرة، وجزء ا من استخدامك الأدبي اليومي، وجزء ا من وقائعك ومعاركك، وجزء ا من نفسك … ثم كيف ينبثق من أعماق روحك في إيقاع موسيقي عذب، وصياغة فنية محكمة .. !

وهكذا كان (البارودي) أيضا .. (البارودي) ضابط الجيش الذي لم يدرس علوم اللغة والنحو وفنون الأدب في أي معهد علمي … ، ولكنه هام بالشعر وتيم به أولا … وكان من جراء ذلك أن ساقه ذلك التتيم إلى حفظ الكثير من القصائد واستيعابها، ومعنى ذلك ـ كما يقول الدكتور شوقي ضيف ـ " أنه لم يستن سنة معاصريه من تعلم النحو والعروض والبديع، حتى يحسن نظم الشعر، وإنما استن سنة جديدة صحح بها موقف الشعر والشعراء، فردهم إلى الطريقة القديمة، أو بعبارة أدق، ارتد هو إلى تلك الطريقة، ونقصد طريقة الرواية التي كان يتلقن بها الشاعر الجاهلي والأموي أصول حرفته.

وكان هذا حدثا خطيرا في تاريخ شعرنا الذي تدهور إلى أساليب غثة مكسوة بخرق البديع البالية، وتكرر في صور من الهذيان على كل لسان،


1 ـ انظر. الشعر العماني ـ ص 26 ـ ص 30 ـ دكتور علي عبد الخالق.

٢٧ / ١٣٢